لا يمكن لأيّ تطوّر داخليّ أو خارجيّ أن يحجب، أو يمنع، المسار الإسرائيليّ الثابت في توسيع رقعة الاحتلال. ما بعد تفجير مرتفعات عليّ الطاهر لن يختلف كثيراً عمّا قبله. لا يحتاج الأمر إلّا إلى رصد مسار التمدّد الإسرائيليّ على الأرض، معطوفاً على الإعلان الأكثر وضوحاً منذ بدء الحرب: “لا انسحاب من المنطقة الأمنيّة إلّا بعد نزع السلاح على كامل الأراضي اللبنانيّة”. لكنّ ما لم يقُله الإسرائيليّ: ما هي “حدود” هذه المنطقة الأمنيّة؟
في الشكل، كَسَرت زيارة السفير الأميركيّ ميشال عيسى لزوطر الغربيّة رتابة الصورة السوداويّة التي تسيطر على كامل الجنوب. لكن ما النتيجة؟
اكتفى السفير بزيارة كنيسة البلدة، والتقاط صور تذكاريّة فيها، والاجتماع برجال دين، ثمّ أكمل موكبه مساره لمعاينة الجسر المستحدَث في بلدة قعقعيّة الجسر، قضاء النبطيّة، بمواكبة من “درون” إسرائيليّة. لاحقاً أصدرت السفارة الأميركية بياناً أكدت فيه “أنّ الولايات المتحدة ملتزمة بدعم الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني في مهمة تعزيز سلطة الدولة”، مشيرة إلى أنّ “واشنطن ستواصل العمل مع جميع الأطراف المعنية لدعم مزيد من الأمن والاستقرار في جنوب لبنان”، وقال عيسى “إن زيارته إلى جنوب لبنان أتاحت له الاطلاع مباشرة على التحديات التي تواجه المجتمعات المحلية هناك”.
زوطر الغربيّة التي سبق أن زارها رئيس الحكومة نوّاف سلام في 22 تمّوز بالتزامن مع إعلان المرحلة الأولى من المناطق التجريبيّة (شملت فرون وصريفا وزوطر الغربيّة)، ورفع العلم اللبنانيّ فيها، تشكّل نموذجاً عن تعثّر مشروع المنطقة التجريبيّة، وآليّة التحقّق المرتبطة بها، التي لم ترَ النور بعد.
الإسرائيليّ يسيطر على زوطر الغربيّة بالنار، ولا يزال يحتلّ نحو 20% من مساحتها، ويَفصله عن مدخلها من جهة زوطر الشرقيّة المحتلّة ساتر ترابيّ، وتعرّض الجيش اللبناني فيها لإطلاق نار بالقرب من تمركز عناصره، ولم يعد إليها إلّا قسم محدود من أبنائها، وهي شبه مدمّرة، وتنتشر فيها بعض البيوت الجاهزة التي لم تعكس العودة الآمنة إلى البلدة.
يقول مصدر مطّلع لـ”أساس”: في مقارنة ما بين الحربين الأخيرتين، يتبيّن أنّه في عام 2024 تقدّم الإسرائيليّ ثمّ انسحب مبقياً على خمس نقاط احتلال
بيان الجيش الاستثنائيّ
سبق للجيش اللبنانيّ، في البيان الاستثنائيّ الذي أصدره في 9 أيلول، أن أكّد أنّه أقام “ستّة حواجز ثابتة، و134 نقطة مراقبة على الطرقات المؤدّية إلى زوطر الغربيّة وفرون وصريفا، وداخل هذه البلدات، ومنَع وجود الجماعات المسلّحة والأنشطة غير المصرّح بها وفق القوانين اللبنانيّة، وصادرت الوحدات العسكريّة 1818 قطعة من الأسلحة والذخائر، بينها عشر منصّات صواريخ، و7 صواريخ، و6 مسيّرات، وفتّش عدداً من المنازل وفق القوانين اللبنانيّة، وبموافقة مالكيها”، إضافة إلى اتّخاذه “إجراءات أتاحت السيطرة العمليّاتيّة للجيش، والتحكّم بحركة الدخول والخروج، ضمن منطقة العمليّات”، مع إشارة الجيش إلى أنّ “16% فقط من أصل نحو 70% من السكّان الذين تفقّدوا ممتلكاتهم، تمكّنوا من الاستقرار في زوطر الغربيّة، أي ما يعادل 60 عائلة من أصل 450، كون الاحتلال دمّر 85% من المنازل بشكل كلّيّ، و15% بشكل جزئيّ”، وكشف الجيش أنّ “الاعتداءات والخروقات الإسرائيليّة أدّت إلى موجة نزوح إضافيّة من المناطق التي اعتُبرت آمنة“.
المنطقة الأمنيّة
أنهى الجيش بيانه بالتأكيد أنّ “العامل الأساسيّ لاستكمال الجيش انتشاره، وتنفيذ مهامّه وفق اتّفاق الإطار، هو وقف الاعتداءات”.
ما بين الحربين
هذا “العامل”، أي وقف الاعتداءات، غير مُدرَج على جدول أعمال الجيش الإسرائيليّ نهائيّاً في المرحلة الراهنة. يمكن الحديث حصراً عن التوسّع الإسرائيليّ المستمرّ في بقعة الاحتلال، وليس بدء الانسحاب، والسيناريوهات المطروحة تضع لبنان أمام أمر واقع يجعل من السيطرة العسكريّة الإسرائيليّة على مرتفعات عليّ الطاهر محطّة ضمن سياق توسيع رقعة المنطقة الأمنيّة.
ما بعد تفجير مرتفعات عليّ الطاهر لن يختلف كثيراً عمّا قبله. لا يحتاج الأمر إلّا إلى رصد مسار التمدّد الإسرائيليّ على الأرض
يقول مصدر مطّلع لـ”أساس”: “في مقارنة ما بين الحربين الأخيرتين، يتبيّن أنّه في عام 2024 تقدّم الإسرائيليّ ثمّ انسحب مبقياً على خمس نقاط احتلال، وفق ما فرضته قواعد اللعبة آنذاك. في الحرب الأخيرة، لم يأخذ الإسرائيليّ وقتاً طويلاً في العودة إلى النقاط التي سبق واحتلّها، وتقدّم أكثر، ويبقي سيطرته العسكريّة بالنار عليها، حتّى لو لم يوجد بقوّاته البرّيّة، وهذا متاح له على كامل أراضي الجنوب، والدليل ما ارتكبه في مدينة النبطيّة وجوارها من مجازر واستهدافات. حتى في ما يتعلّق بعليّ الطاهر، وحتّى لو أعلن الانسحاب التكتيكيّ منها، فهو قادر بأيّ لحظة على العودة والتمركز. وهذا ما يتيح له أن يجعل بلدات النبطيّة الفوقا وكفرتبنيت وعليّ الطاهر ممسوكة عسكريّاً، حيث يعمل على تدمير، كما يقول، البنية العسكريّة فيها”.
الخطّ “الوهميّ“
حصيلة تطوّرات الأيّام الماضية تفضي، وفق المصدر، إلى المعطيات الآتية:
– تؤكّد معلومات موثوقة أنّ الإسرائيليّ هو راهناً في إطار تنفيذ المرحلة الثالثة من عمليّته العسكريّة الكبرى، وتشمل مسار النبطيّة – إقليم التفّاح، عقدة الربط الأساسيّة، باعتماد التدمير ثمّ التطويق. وكلّ تكثيف لنيرانه جنوباً يؤكّد ذلك. الوصول إلى إقليم التفّاح، أحد أهمّ معاقل “الحزب”، يعني الاقتراب من شرق صيدا، وقرى جزّين، وضمن سياق التمدّد من الشوف إلى المديرج. وإذا صدقت التحليلات بوصول الإسرائيليّ إلى جزّين فهذا يعني أنّه على مسافة متاحة من جبل الباروك، فيما يسيطر من الجانب السوريّ على جبل الشيخ. عمليّاً، سيكون نصف البقاع بمتناوله أيضاً!
تؤكّد معلومات موثوقة أنّ الإسرائيليّ هو راهناً في إطار تنفيذ المرحلة الثالثة من عمليّته العسكريّة الكبرى
– يقول المصدر: “لا المناطق التجريبيّة، ولا اتّفاق الإطار، ولا المفاوضات إن استُكملت، ستحول دون تطبيق الخطّة المعدّة سلفاً لـ”إنهاء الحزب”، وربّما المقرّرة منذ أكثر من عشر سنوات، وذلك بعد تنفيذ “الحزب” عمليّة أمنيّة في مزارع شبعا عام 2015 استهدف فيها عدداً من الآليّات العسكريّة، وأدّت إلى مقتل جنديين إسرائيليَّين، إضافة إلى دخوله، من الباب الأوسع، مدار التوسّع في اقتناء المسيّرات والصواريخ الدقيقة. تتقاطع المعلومات عند اعتبار إقليم التفّاح آخر معاقل القتال المباشر لعناصر “الحزب”، وسيشكّل نقطة تحوّل كبيرة ضمن الصراع القائم، الهدف منه خلق واقع سياسيّ – جغرافيّ -عسكريّ يفرض نفسه، حين يحين أوان التفاوض الحقيقيّ.
– أثبت مسار الأحداث في الحربين الماضيتين أنّ الفصل بين جنوب الليطاني وشماله هو فصل غير منطقيّ و”حاجز” غير طبيعيّ، وخطّ الفصل نفسه هو وهميّ. وتمّ التعامل معه من قبل ثلاث جهات بمقاربات مختلفة:
* الدولة اللبنانيّة تتمسّك به لارتباطه بالقرار 1701.
* “الحزب” بنى عليه مقاربته السياسيّة لجهة قبوله بتنفيذ قرار تسليم سلاحه جنوب الليطاني (شرط الانسحاب الإسرائيليّ)، وترك السلاح شمال الليطاني للبحث به عبر حوار داخليّ، وضمن الاستراتيجية الدفاعيّة.
* الإسرائيليّ أسقطه بالكامل، بعد ترسيم الخطّ الأصفر، وتكريس حدود المنطقة الأمنيّة التي لم يميّز في سياق مشروع تنفيذها بين جنوب الليطاني وشماله، وجعل غرفة العمليّات واحدة على ضفّتي النهر، وفي عمقه جنوباً وشمالاً. عسكريّاً هو خطّ لا قيمة له، وقد دشّن سقوطه بالتقدّم قبل أشهر باتّجاه زوطر، وقلعة الشقيف، ومرتفعات عليّ الطاهر وكفرتبنيت والنبطيّة.
تتقاطع المعلومات عند اعتبار إقليم التفّاح آخر معاقل القتال المباشر لعناصر “الحزب”، وسيشكّل نقطة تحوّل كبيرة ضمن الصراع القائم
المنصوريّ
بموازاة الاعتداءات الإسرائيليّة شرقاً، والمخطّط المستمرّ في توسيع بقعة الاحتلال، تقدّمت بلدة المنصوريّ، في القطاع الغربيّ بقضاء صور، المشهد، لجهة كثافة الاستهداف والتفجيرات التي تطال المنازل والبنى التحتيّة.
المعلومات تقول إنّ الإسرائيليّ المتمركز في مرتفعات البيّاضة ومجدل زون يحوّل المنصوريّ، التي تعدّ أوّل منطقة في السهل ملاصقة لقوّاته المتمركزة في نقاط أعلى، إلى أرض محروقة تأميناً لبقائه لفترة طويلة في نقاط تمركزه، أو لخطّ نيرانه وصولاً إلى مدينة صور. وهو لن يكون قادراً على احتلال المنصوريّ إلّا إذا تأكّد من خلوّها من أيّ تهديد له.
















