رواية التمديد للمفتي دريان من الألف إلى الياء

لم يعد ملفّ التمديد لمفتي الجمهوريّة اللبنانيّة الشيخ عبد اللطيف دريان، بعد التقرير الصادر عن المستشار المقرّر في مجلس شورى الدولة، مجرّد خلاف على بقاء صاحب السماحة في موقعه الدينيّ الرفيع أو على موعد انتخاب خلفٍ له. التقرير أوقع الضرّر المعنوي والسياسي بدار الفتوى ووضع القضيّة في مكان آخر تماماً: هل تستطيع مؤسّسة دينيّة تتمتّع باستقلالية واسعة أن تعدّل قواعدها الأساسيّة من دون التقيّد بالأصول القانونيّة التي تحكم عملها؟

الإجابة التي انتهى إليها المستشار المقرّر القاضية رانيا أبو زين واضحة في نتيجتها: قبول المراجعة شكلاً، وردّ الدفع بعدم صلاحيّة مجلس شورى الدولة، ثمّ إبطال القرار رقم 55 الصادر عن المجلس الشرعيّ الإسلاميّ الأعلى بتاريخ 9 أيلول 2023، وهو القرار الذي تضمّن تمديد سنّ نهاية ولاية مفتي الجمهوريّة.

هنا تكمن أهميّة التقرير وأبعاده، لأنّه إذا أخذت هيئة القضايا بمضمونه (هي إحدى هيئات مجلس شورى الدولة في لبنان ويتألّف من رئيس مجلس شورى الدولة رئيساً، ورؤساء الغرف، وثلاثة مستشارين)، فإنّ المسألة لن تكون مجرّد إنهاء تمديد، بل ستفتح الباب أمام إعادة ترتيب الوضع القانونيّ في دار الفتوى انطلاقاً من النصوص النافذة، بعيداً عن قرار 2023. أما في الشكل العام فإنّ الضرّر المعنوي الذي وقع نتيجة القرار التمهيدي سيؤسّس إلى انقسام في الساحتين الدينية والسياسية ضمن البيئة السنّية.

من التّمديد إلى سؤال الشّرعيّة

بدأت القضيّة عندما انعقد المجلس الشرعيّ الإسلاميّ الأعلى في 9 أيلول 2023، فيما لم يكن بند تعديل سنّ نهاية ولاية المفتي مدرجاً أصلاً على جدول الأعمال المرسل إلى الأعضاء. وبحسب الوقائع الواردة في التقرير، طُرحت المسألة خلال الجلسة، فصدر قرار التمديد ونُشر لاحقاً في الجريدة الرسميّة. مع الإشارة إلى أنّ المفتي دريان وفي بيان رسمي عنه قبل الجلسة أشار إلى عدم رغبته بالتمديد.
البعد القانونيّ الأوسع فيتمثّل في ردّ التقرير الدفع القائل بعدم اختصاص مجلس شورى الدولة

هذه النقطة ليست تفصيلاً إجرائيّاً. فالمستدعيان (القاضيان الشيخ همام الشعّار والشيخ عبد العزيز الشافعي) بَنَيا جانباً أساسيّاً من مراجعتهم على أنّ تعديل نصّ بهذا الحجم، يتعلّق برأس المؤسّسة الدينيّة السنّيّة وبمدّة ولايته، لا يمكن التعامل معه كمسألة عاديّة تُطرح بصورة مفاجئة داخل جلسة.

تشير المستندات إلى أنّ الدعوة إلى الجلسة لم تتضمّن مشروع تعديل المرسوم الاشتراعيّ رقم 18 (التشريع الأساسيّ الذي ينظّم شؤون المسلمين السنّيّين الدينيّة).

دريان

الأبعد من ذلك أنّ الطعن تناول النصاب وآليّة عمل اللجنة التشريعيّة والأصول التي يفترض اتّباعها قبل وصول أيّ تعديل إلى الهيئة العامّة للمجلس. فالاعتراض لم يكن على النتيجة السياسيّة للتمديد، وإنّما على المسار القانونيّ الذي أنتجها.

الملفّ الإداريّ قلب المعركة

لكنّ التطوّر الأكثر دلالة في التقرير يرتبط بما جرى خلال نظر مجلس شورى الدولة في القضيّة. فالمستشار المقرّر طلب إيداعه الملفّ الإداريّ المتعلّق بالمراجعة، وخصوصاً محضر جلسة المجلس الشرعيّ المنعقدة في 9 أيلول 2023، ومحضر اللجنة التشريعيّة وقرارها والمستندات التي سبقت إصدار قرار التمديد.

هنا تحوّلت القضيّة من مراجعة روايتين قانونيّتين إلى مسألة تتعلّق بإثبات كيفيّة اتّخاذ القرار نفسه. عدم تقديم المستندات المطلوبة لم يمرّ من دون أثر. ووفق خلاصة التقرير، اعتُبر امتناع المجلس الشرعيّ عن تنفيذ القرار الإعداديّ وإيداع الملفّ الإداريّ قرينة على صحّة ما أدلى به المستدعيان بشأن المخالفات المتعلّقة بالنظام العامّ التي اعترت القرار والإجراءات التي سبقت صدوره. هذه النقطة قد تكون الأدق في الملفّ كلّه لأنّها تعني أنّ الوثائق التي كان يفترض أن تحسم الجدل حول النصاب والمحاضر وآليّة التصويت والمسار التشريعيّ لم توضع أمام القضاء بالصورة التي طلبها.
الطعن تناول النصاب وآليّة عمل اللجنة التشريعيّة والأصول التي يفترض اتّباعها قبل وصول أيّ تعديل إلى الهيئة العامّة للمجلس

أمّا البعد القانونيّ الأوسع فيتمثّل في ردّ التقرير الدفع القائل بعدم اختصاص مجلس شورى الدولة. تمسّك المعترضون على المراجعة بفكرة أنّ المجلس الشرعيّ يتمتّع باستقلاليّة في إدارة شؤون الطائفة وأنّ تعديلاته ذات طبيعة تشريعيّة، وبالتالي لا تخضع لرقابة القضاء الإداريّ. ويعرض التقرير بالفعل هذا الاتّجاه والحجج التي استند إليها، ومنها تاريخ استقلال الطائفة السنّيّة في إدارة شؤونها.

لكنّ النتيجة التي توصّل إليها المستشار المقرّر كانت ردّ الدفع بعدم صلاحيّة مجلس شورى الدولة للنظر في المراجعة. هذا يترك أثراً يتجاوز قضيّة المفتي دريان لأنّه يرسم حدوداً بين الاستقلال في إدارة الشأن الدينيّ وبين الالتزام بالقواعد القانونيّة والنظام العامّ. أي أنّ الاستقلاليّة لا تتحوّل، وفق هذه المقاربة، إلى حصانة مطلقة تمنع القضاء من التدخّل عندما يكون الطعن متعلّقاً بمخالفات قانونيّة جوهريّة.

ماذا يعني إبطال القرار 55؟

ابطال القرار 55 لم يحسم حتى الان. بانتظار قرار هيئة القضايا المؤلفة من رئيس مجلس الشورى ورؤساء الغرف التي من صلاحيتها أن تصدر القرار النهائي، وإن قامت بتبني النتيجة التي خلص إليها المستشار المقرّر وصدر الحكم النهائيّ على هذا الأساس، فإنّ القرار الذي شكّل الغطاء القانونيّ للتمديد يصبح ساقطاً. وعندها لا يعود النقاش عن استحسان التمديد أو رفضه سياسيّاً، بل عن الآثار القانونيّة المترتّبة على زوال القرار الذي استند إليه. هذا يضع المجلس الشرعيّ ودار الفتوى ورئاسة الحكومة أمام مرحلة دقيقة، لأنّ القرار يفرض العودة إلى المرسوم الاشتراعيّ رقم 18 والنصوص النافذة لتحديد كيفيّة إدارة المرحلة التالية، بدلاً من محاولة إنتاج تمديد جديد بالآليّات نفسها.

كما أنّ التقرير يضعف عمليّاً أيّ محاولة لمعالجة الأزمة من خلال تسوية سياسيّة تتجاوز أصل المشكلة. فالملفّ لم يعد محصوراً بتوازنات المجلس الشرعيّ، بعدما أصبح أمام القضاء الإداريّ ونوقشت فيه مسائل النصاب، جدول الأعمال، صلاحيّات اللجنة التشريعيّة، المحاضر، التصويت، وحدود السلطة.
النتيجة التي توصّل إليها المستشار المقرّر كانت ردّ الدفع بعدم صلاحيّة مجلس شورى الدولة للنظر في المراجعة

سياسيّاً، من المرجّح أن يعيد التقرير خلط الأوراق داخل البيئة السنّيّة. فموقع مفتي الجمهوريّة ليس منصباً دينيّاً صرفاً، فهو إحدى المرجعيّات الأساسيّة للطائفة، وعمليّة اختيار شاغله ترتبط بهيئة ناخبة واسعة تضمّ شخصيّات سياسيّة ودينيّة وقضائيّة وأكاديميّة.

لذلك فإنّ سقوط التمديد، متى أصبح نهائيّاً، سينقل الاهتمام من معركة الدفاع عن قرار العام 2023 إلى سؤال المرحلة التالية: كيف تطبّق النصوص؟ كيف تُدار المؤسّسة إلى حين انتخاب مفتٍ جديد؟ متى تبدأ إجراءات الانتخاب؟

ما بعد التّقرير ليس كما قبله

الجواب الذي يحمله التقرير واضح في اتّجاهه: الاستقلاليّة مصونة، لكنّ الشرعيّة تبقى محكومة بالقانون.

إذا تحوّلت هذه الخلاصة إلى حكم نهائيّ، فإنّ ما سيسقط لن يكون مجرّد تمديد ولاية، بل سابقة كان يمكن أن تجعل تعديل قواعد تداول المسؤوليّة داخل واحدة من أهمّ المؤسّسات الدينيّة في لبنان أمراً ممكناً بقرار داخليّ لا يراعي القواعد القانونية. وعندها ستكون دار الفتوى أمام استحقاق لا يحتمل الكثير من المناورات: العودة إلى النصّ، ترتيب المرحلة الانتقاليّة، وفتح الطريق أمام انتخاب مفتي الجمهوريّة وفق القواعد القانونيّة النافذة.

@ziaditani23

اترك تعليق