الحرب ترفع فاتورة كل لبناني

لا تصل كلفة الحرب إلى جيب اللبناني في صورة فاتورة واحدة تحمل اسم «الحرب». إنّها تتسلّل إليه عبر سلسلة طويلة تبدأ من النفط والشحن والتأمين، مروراً بالكهرباء والنقل والإنتاج، وتنتهي عند سعر السلعة والخدمة وقدرة الأسرة على استهلاكها. والمفارقة، أنّ بعض الأسعار المحلية قد تتراجع في أسبوع، فيما تستمر الكلفة الأساسية للاقتصاد في الارتفاع. اكتشفالثقافة

أحدث المؤشرات المحلية تؤكّد ذلك. ففي أيلول، ارتفع مؤشر مديري المشتريات في لبنان إلى 50.5 نقطة من 50.1 في آب، مسجّلاً الشهر الرابع توالياً فوق مستوى الـ50 نقطة الفاصل بين الانكماش والنمو. لكن خلف هذه الصورة الإيجابية نسبياً، سجّلت الشركات أعلى تضخّم في كلفة المدخلات منذ 3 سنوات ونصف، نتيجة ارتفاع كلفة الوقود والغذاء ومواد البناء والنقل البحري والتأمين. والأهم، أنّ الشركات خفّضت التوظيف ونشاط الشراء، بينما بقيت طلبات التصدير ضعيفة بسبب الاضطرابات الإقليمية. وهنا تكمن إحدى أخطر زوايا الأزمة: الاقتصاد يستطيع أن ينمو قليلاً، فيما تصبح كلفة النمو نفسه أعلى. فارتفاع كلفة المدخلات يضغط على هوامش الشركات، وقد يدفعها لاحقاً إلى رفع أسعارها أو تقليص الاستثمار والتوظيف، ما يحوّل الصدمة الخارجية إلى تباطؤ داخلي.

كلفة الطاقة تتضاعف

وفي قطاع الطاقة، تظهر الكلفة بصورة أكثر مباشرة. فقد حدّدت وزارة الطاقة تعرفة المولّدات الخاصة لشهر أيلول عند 52,840 ليرة للكيلوواط/ساعة، بزيادة 9,5% عن الشهر السابق، وبنحو 75% مقارنةً بشباط، عندما كانت 30,244 ليرة. كما ارتفع متوسط سعر صفيحة المازوت الذي اعتمدته الوزارة في احتساب التعرفة إلى 2,675 مليون ليرة، مقابل 1,399 مليون في آذار. لكنّ التطوُّر اللافت في الأيام الأخيرة، أنّ أسعار المحروقات في السوق المحلية لم تواصل الصعود بصورة خطية. ففي 2 تشرين الأول انخفض سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان إلى 2,837 مليوني ليرة، والـ98 أوكتان إلى 2,854 مليوني ليرة، فيما تراجع المازوت إلى 2,726 مليوني ليرة. غير أنّ هذا الانخفاض المحدود لا يلغي حجم المخاطر الخارجية، إذ تجاوز خام برنت في 1 تشرين الأول حاجز 100$ للبرميل، مسجّلاً 102,31$، على وقع المخاوف من اضطرابات جديدة في إمدادات الطاقة والتجارة العالمية.

السوق المتقلب أكثر ما يؤذي لبنان

وهذا تحديداً ما يجعل قراءة الاقتصاد اللبناني أكثر تعقيداً. فلبنان لا يحتاج إلى ارتفاع دائم في أسعار النفط لتتسع فاتورته؛ يكفي أن تبقى الأسواق شديدة التقلّب، وأن ترتفع كلفة التأمين والشحن والنقل. وصندوق النقد الدولي أكّد في 18 أيلول، أنّ عجز الحساب الجاري اللبناني اتسع أساساً بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، بالتزامن مع استمرار التضخم في خانة الأرقام المزدوجة. أمّا على مستوى الأسعار، فآخر رقم رسمي متاح حتى الآن يعود إلى آب: ارتفع مؤشر أسعار المستهلك 1,40% في شهر واحد و16,66% على أساس سنوي، فيما بلغ متوسط التضخّم خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 نحو 16,14%. وتبرز أهمية الرقم في أنّ مكوّنات مرتبطة مباشرة بكلفة الطاقة والنقل والسكن تشكّل وزناً كبيراً من سلة الاستهلاك اللبنانية.

وبالتالي، فإنّ السؤال لم يعُد كم ارتفع سعر صفيحة البنزين هذا الأسبوع، بل كم من الصدمة الخارجية يستطيع الاقتصاد اللبناني امتصاصها قبل أن تنتقل بالكامل إلى المستهلك؟ فالشركات تواجه كلفة أعلى، والمولّدات تعكس ارتفاع المازوت، والنقل يتأثر بالوقود، والاستيراد يتأثر بالشحن والتأمين، فيما تبقى القدرة الشرائية مثقلة بتضخّم سنوي يقارب 17%. أخبارلبنان اليوم

وهنا تتجاوز «فاتورة الحرب» أسعار السلع. إنّها فاتورة على القدرة الإنتاجية نفسها: كلّما ارتفعت كلفة تشغيل المصنع والمتجر والمطعم والشاحنة والمولّد، أصبح التعافي الاقتصادي أكثر كلفة وأبطأ. لذلك، قد يكون أخطر أثر للحرب على اللبناني، ليس الزيادة التي يراها اليوم على رفّ السوبرماركت، بل تلك التي تتراكم في كلفة الاقتصاد قبل أن تصل إليه.

اترك تعليق