استقبلت بيروت رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بعدما كانت تتابع في الوقت نفسه مغادرة الوفد الإيراني، واتصالات واشنطن مع بعبدا، فيما تتحرك العواصم الأوروبية لرسم ملامح المرحلة التي تلي انتهاء مهمة “اليونيفيل”. زحمة تحمل في ظاهرها عناوين الدعم والوساطة، لكنها تعكس في جوهرها قلقاً دولياً متزايداً من أن يتحول لبنان مجدداً إلى ساحة تتقاطع فيها المواجهة الإيرانية الأميركية مع الحسابات الإسرائيلية، في وقت لا تزال فيه الدولة اللبنانية تبحث عن مساحة فعل حقيقية لحماية سيادتها واستقرارها.
وتتقدم زيارة رئيس الوزراء القطري المشهد، ليس لمستوى المسؤول الزائر وحسب، بل لتوقيت الزيارة وما تحمله من رسائل تتجاوز العلاقات الثنائية. فالدوحة، التي راكمت رصيداً في الوساطات الإقليمية والدولية، تدخل إلى بيروت في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى قنوات اتصال قادرة على الحد من التصعيد، وإلى دعم سياسي ومؤسساتي يساعدها على تجنب الانزلاق إلى مواجهة جديدة.
ومن المقرر أن تشمل لقاءاته رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، إضافة إلى قائد الجيش العماد رودولف هيكل والمدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير. وتتصدر الملفات التي يحملها الزائر القطري “دعم الجيش والمؤسسات الأمنية، والطاقة والكهرباء، وإعادة الإعمار كعنوان أساسي لتأهيل البنى التحتية والمرافق العامة المتهالكة أو المتضررة جراء الحرب، بهدف تهيئة البيئة المناسبة لعودة النازحين”، وإن كانت الخطوات التنفيذية الكبرى ترتبط بمدى استقرار المشهد الميداني والسياسي الشامل، إلى جانب الأفكار المتداولة بشأن “المناطق التجريبية” في الجنوب، بوصفها إحدى الصيغ المطروحة لتثبيت التهدئة واختبار ترتيبات أمنية وميدانية جديدة.
وكشفت المصادر المتابعة لزيارة رئيس الوزراء القطري، أن الدوحة تسعى عبر شبكة علاقاتها الواسعة مع مختلف الأطراف اللبنانية والإقليمية إلى بناء “مظلة دبلوماسية” تدفع نحو الحلول السياسية والحد من الخيارات العسكرية، ما يساعد الدولة اللبنانية على استعادة قرارها السيادي وتعزيز استقرارها، خصوصاً في ظل النقاشات الدولية الحساسة حول الترتيبات الأمنية المستقبلية في الجنوب اللبناني.
لكن السؤال الأهم هو ما إذا كانت قطر تحمل تصوّراً عملياً لتخفيف المخاطر، أم أنها تسعى إلى تهيئة الأرضية السياسية لتفاهمات لا تزال تصطدم بالتباعد بين المطالب اللبنانية والشروط الإسرائيلية. فالدوحة تمتلك قنوات اتصال مؤثرة مع واشنطن، وتؤدي دوراً في مساعي خفض التوتر بينها وبين طهران. وتكتسب تحركاتها في بيروت أهمية إضافية، بما لها من علاقات لتوظيف قدراتها كما في السابق حيث نجحت في منع اتساع الحرب، الضغط باتجاه وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، وربط أي ترتيبات ميدانية بضمانات تحمي لبنان وأن لا تتحول “المناطق التجريبية” إلى واقع أمني دائم يخدم إسرائيل.
في موازاة ذلك، اختتم مساعد وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده زيارته التي تضمنت لقاءات مع مسؤولين لبنانيين، في مقدمهم الرئيس بري، وتناول البحث العلاقات الثنائية والتطورات اللبنانية والإقليمية وآفاق المرحلة المقبلة. وأكد المسؤول الإيراني أهمية استمرار تبادل الزيارات والتنسيق بين البلدين. ولا ينبغي تحميل هذه الزيارة أكثر مما أعلن عنها رسمياً، إلا أن توقيتها يعكس اهتمام طهران بمتابعة التحولات اللبنانية في مرحلة تتزايد فيها الضغوط على حلفائها، وتتداخل فيها المفاوضات مع واشنطن مع حسابات المواجهة الإقليمية.
وفي سياق الحراك الدبلوماسي، تلقّى رئيس الجمهورية اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو وعرض معه للأوضاع العامة في لبنان والمنطقة في ضوء التطورات الأخيرة.
كما بحثا في وضع الجنوب في ضوء استمرار الاعتداءات الاسرائيلية على القرى والبلدات الجنوبية. وطلب الرئيس عون من روبيو الضغط على إسرائيل لوقف هذه الاعتداءات والتزام مندرجات اتفاق الاطار والتوقف عن أعمال التجريف وتمكين المزارعين من الوصول إلى حقولهم وعدم التعرض لهم.
وأكد الرئيس عون للوزير روبيو، خلال الاتصال، أن الجيش والقوى الأمنية يقومان بواجباتهما كاملة في تطبيق القرارات المتعلقة بمنع المظاهر المسلحة ومصادرة الأسلحة والذخائر ومكافحة التهريب، وما سجل في الأيام القليلة الماضية من اجراءات يندرج في هذا السياق، لافتاً إلى أن الأجهزة القضائية تتابع كل الملفات التي تحال اليها ولن يكون هناك أي تساهل مع المرتكبين، وأن القوانين ستطبق من دون أي محاباة.
















