واشنطن ترصد دولة لبنان “العميقة”

ليست قضية السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة الأميركية ندى معوّض أمام المحكمة العسكرية في لبنان الوحيدة التي تزعج الإدارة الأميركية هذه الأيام، بل هناك أيضًا قانون مقاطعة إسرائيل، وامتناع الحكومة اللبنانية عن تنفيذ قراراتها المتعلقة بحصر السلاح، وتعاطي الجيش اللبناني الخجول مع هذه المسألة.

وتكشف المعطيات الواردة من واشنطن أنّ دوائر القرار هناك، وانطلاقًا من قضية السفيرة معوّض، تولي أهمية كبرى لمسألة إلغاء قانون “مقاطعة إسرائيل”، الذي وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمتابعة ملفه، وتربط هذه المسألة بأداء المحكمة العسكرية اللبنانية التي تصدر أحكامًا غيابية بالسجن بحق صحافيين وناشطين لبنانيين، على خلفية تواصلهم مع وسائل إعلام إسرائيلية أو نشر تعليقات تنتقد “حزب الله”. وتتساءل مصادر دبلوماسية ذات صلة بوزارة الخارجية الأميركية عمّا إذا كانت المحكمة العسكرية، في مثل هذه القضايا، تحمي الدولة والقانون، أم تتحوّل إلى أداة تستخدمها القوة السياسية المسلّحة المهيمنة لترهيب خصومها وإسكات الأصوات المعارضة.

وأثارت قضية السفيرة معوّض غضب الإدارة الأميركية، التي توليها أهمية كبيرة نظرًا إلى تأثيرها في مسار المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية. وقد حرصت وزارة الخارجية الأميركية على إصدار بيان شديد اللهجة على خلفية الشكوى التي قدّمها المحامي المحسوب على “الحزب” حسن عادل بزي، بسبب تواصلها مع السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، يحيئيل لايتر، للاطمئنان إلى ابنه الذي أُصيب في هجوم إرهابي.

ولفتت المصادر الدبلوماسية إلى أنها غير مستغربة من أداء المحكمة العسكرية، التي لها تاريخ طويل في تنفيذ مآرب “الحزب”. وتعتبر أنّ هذه الشكوى تهدف إلى مضايقة السفيرة معوّض، التي تنفّذ سياسة حكومتها الشرعية وتشارك في المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة، والأخيرة لن تسمح بأي مساس بدور معوّض والوظيفة التي تتولاها.

وتشير المصادر إلى أنّ وزارة الخارجية الأميركية تترقّب ما ستؤول إليه الشكوى، وما إذا كانت ستؤدي إلى إجراءات قانونية أم سيجري رفضها وإغلاقها. علمًا أنّ هناك مخاوف أميركية من أن تثني الشكوى المشاركين في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل عن أداء مهامهم، بل إنّ هناك إجماعًا أميركيًا على أنّ من شأن خطوة كهذه أن تعقّد الجهود الدبلوماسية بين البلدين، في ظل التوترات السياسية والأمنية التي يشهدها لبنان.

لكن المصادر تشير إلى أنّ واشنطن تفصل بين الجيش اللبناني والمحكمة العسكرية، وأنّ هناك توجّهًا لدى الإدارة الأميركية لوضع الضباط الذين يعملون ضمن نظام القضاء العسكري تحت مقصلة العقوبات الأميركية، لأنهم يعملون ضد توجّهات الحكومة اللبنانية ومواطنيها، بدلًا من ملاحقة عناصر “الحزب”. إلا أنّ ذلك لن يؤثّر في المساعدات التي تقدّمها واشنطن إلى الجيش اللبناني.

وفي الوقت نفسه، تؤكّد المعطيات أنّ واشنطن تعمل على حشد أدوات الضغط والحوافز لتمهيد الطريق أمام نجاح تقوده الدولة اللبنانية. فعلى سبيل المثال، تربط واشنطن استخدام العقوبات الأميركية بالجهات التي تقوّض الاستقرار في لبنان، وكل من يرتبط بها داخل الدولة العميقة. لذلك، لن تكون بعض الأسماء التي تعيق تنفيذ قرارات الحكومة اللبنانية بعيدة عن حزمة عقوبات جديدة، من دون أن تفصح المصادر عن هذه الأسماء، إلا أنها ترى أنّ لا سقف للعقوبات، ولا اعتبار لأيّ من المسؤولين المدنيين والعسكريين الذين يتواطؤون مع “الحزب”.

والمفارقة أنّ مراكز أبحاث عدة مرتبطة بالإدارة الأميركية تعتبر أنّ الظروف الحالية المحيطة بالمفاوضات وتنفيذ اتفاق الإطار غير مؤاتية، إذ تواصل إيران إعادة تنظيم “الحزب” من خلال الحرس الثوري الإيراني، وتمويله وتسليحه. وهو لا يزال قوة منضبطة وموحّدة أيديولوجيًا، وعازمة على تحقيق أهدافها، كما أنّ ما يمتلكه من قدرة متبقية على الإكراه، ونفوذ داخل المؤسسات اللبنانية، وسمعة تثير الرهبة، قد حال حتى الآن دون مواجهة الدولة له عسكريًا.

لكن مراكز الأبحاث التي تواصلنا معها تؤكّد أنّ المفاوضات ستُستكمل عاجلًا أم آجلًا، وأن لا بديل من اتفاق الإطار ومشروع المناطق التجريبية النموذجية. ويحظى هذا الاتفاق بدعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي، لكن المساعدات الأميركية للجيش اللبناني ترتبط بمدى نجاحه في نزع سلاح «الحزب». كما ستدعم الإدارة الأميركية جهود التعافي وإعادة الإعمار بقيادة الحكومة اللبنانية، وتفرض عقوبات على “الحزب” وتعزله.

وتشير هذه المراكز إلى أنّ واشنطن تمتلك اليوم في لبنان العناصر اللازمة لتحقيق النصر: القيادة، والدعم الشعبي، والإطار التنظيمي، وأدوات التأثير.

أما النقطة الأهم التي ركّزت عليها المصادر الدبلوماسية، فهي أنّ تردّد السلطات اللبنانية حيال حصر سلاح “الحزب” قابل للتجاوز. فمن خلال تحويل الجيش اللبناني إلى قوة قادرة ومستعدة لفرض السيادة، وإنجاح تجربة “المناطق النموذجية”، وحرمان “الحزب” من وسائل تجديد قدراته، وتغيير الحسابات السياسية بصورة لا رجعة فيها لمصلحة الدولة وعلى حساب الميليشيا، يمكن لواشنطن توفير العنصر الأخير اللازم لتحقيق النصر.

وترى المصادر أنّ الولايات المتحدة سبق أن اختبرت نموذجًا ناجحًا وقابلًا للتطبيق في العراق، حين مكّنت الجيش العراقي من هزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية”. وهذا ما تعتزم فعله مع الجيش اللبناني، عبر توفير مستشارين ومدرّبين أميركيين، إلى جانب الدعم الاستخباراتي واللوجستي والناري. وبالتالي، سيحقّق الجيش اللبناني ما حقّقته “عملية العزم الصلب” في دعم القوات العراقية التي واجهت “داعش” وانتصرت عليه.

وتتحفّظ المصادر الدبلوماسية الأميركية على أداء العماد رودولف هيكل، إذ تعتبر أنّ نجاح خطوة حصر سلاح “الحزب” يعتمد أيضًا على وجود قيادة عسكرية تمتلك عقلية ترقى إلى مستوى المهمة، منوّهةً بمبادرة الجيش اللبناني إلى تأمين مطار بيروت، ومؤكّدةً أنّ هذا النوع من الحزم يجب أن ينعكس على جميع مستويات القيادة، فالأفراد هم جوهر السياسة.

وإذا أراد الجيش اللبناني فرض السيادة، وفق المصادر، فعليه أن يبرهن، بدءًا من أعلى المستويات، على أنّه تجاوز نهجه القديم كمؤسسة تكتفي بتحقيق التوازن والمحافظة على السلم الأهلي. وستكون النتيجة ديناميكية تعزّز نفسها بنفسها؛ فزيادة الحضور والدعم الأميركيين، مقترنةً بقيادة عسكرية لبنانية أكثر حزمًا، ستشجّع العناصر المستعدة للتحرّك داخل الجيش، ما يرسّخ نهج الحزم مع كل خطوة إلى الأمام.

الأجواء في واشنطن تبدو متّجهة نحو تصعيد الضغط على الحكومة اللبنانية، على جميع المستويات، لدفعها إلى تنفيذ قراراتها التي تغرق في سبات عميق. ولن تُهمل واشنطن العمل على ثني المحكمة العسكرية عن المضي قدمًا في ملاحقة السفيرة معوّض، التي باتت تشكّل عاملًا استراتيجيًا في المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية.

وهذا ما سيتقاطع مع تحرّكات لأحزاب مسيحية مناهضة لـِ “الحزب”، وداعمة لمعوّض وعملية المفاوضات. ولن يكون رئيس الجمهورية جوزاف عون بعيدًا عن القضية، لأنّ معوّض من ضمن فريق عمله المفاوض، وأيّ ملاحقة لها من شأنها أن تؤثّر في المسار الموثوق الذي أطلقه عون نحو السلام بين لبنان وإسرائيل.

وهذا المسار لا يتعزّز إلا من خلال تقوية الدولة وإضعاف الدولة العميقة، ودعم التعافي الاقتصادي، وجعل عملية نزع السلاح مستدامة سياسيًا واستراتيجيًا.

اترك تعليق