متى تحيل الحكومة “المتفجّرات” إلى مقبرة المجلس العدليّ؟

شهدت مداولات مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة يوم الخميس الماضي نقاشاً محدوداً في ما يخصّ إحالة متفجّرات ضهر البيدر إلى المجلس العدليّ. بالتزامن يتوسّع التحقيق في ملفّ المتفجّرات، وقد علم “أساس” أنّ مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة القاضي كلود غانم أصدر استدعاءات جديدة في القضيّة، بينها زوجة أحد الموقوفين، وسطّر بلاغ بحثٍ وتحرٍّ بأحد المطلوبين إلى التحقيق لعدم مثوله أمام القضاء العسكريّ، وهو صاحب السيّارة التي نُقِلت عبرها المتفجّرات.

تؤكّد المعلومات أنّ ملفّ المتفجّرات، إضافة إلى الإخبار المقدّم ضدّ السفيرة اللبنانيّة في واشنطن ندى حمادة معوّض، كانا في صلب الاتّصال الذي أجراه وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو برئيس الجمهوريّة جوزف عون، حيث حرصت دوائر القصر على إبراز ما قاله عون لروبيو في شأن “قيام الجيش والقوى الأمنيّة بواجباتهما كاملة في تطبيق القرارات المتعلّقة بمنع المظاهر المسلّحة، ومصادرة الأسلحة والذخائر، ومكافحة التهريب، وما سُجّل في الأيّام القليلة الماضية من إجراءات يندرج في هذا السياق، والأجهزة القضائيّة تتابع كلّ الملفّات التي تُحال إليها، ولن يكون هناك أيّ تساهل مع المرتكبين، وستُطبّق القوانين من دون أيّ محاباة”.

توازياً، رَفَع “الحزب” المواجهة السياسيّة إلى حدّها الأٌقصى بوجه الحكومة والسلطة مع إعلان تبنّيه ملكيّة “فان” المتفجّرات الرماديّ عند نقطة ضهر البيدر. حتّى في الشكل كانت الرسالة معبّرة، إذ إنّ “الحزب” الذي يكتفي بإصدار بيانات نفي عن دائرة “العلاقات الإعلاميّة” لضلوعه بأحداث أو تورّطه مع شبكات أمنيّة تعلن الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة كشفها، أعلن موقف “الحزب” صراحة خلال مؤتمر صحافيّ للنائب حسن فضل الله من مقرّ مجلس النوّاب، وما لذلك من دلالات في ربط “الحزب” المُحكَم بين دورَيْه السياسيّ والأمنيّ.
لا معطيات حاسمة حتّى الآن عمّا إذا كانت ستحصل الإحالة إلى المجلس العدليّ الذي بات يُصنّف “مقبرة” للملفّات

وَضَع كلام فضل الله السلطة اللبنانيّة أمام مستوى متقدّم من المواجهة بين الطرفين. فقد أكّد أنّ المتفجّرات تدخل ضمن “قدرات تستخدمها المقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيليّ”، كاشفاً أنّه “منذ لحظة توقيف السيّارة سارعت الجهات المعنيّة في المقاومة إلى التواصل مع الأجهزة الأمنيّة والقضائيّة، وإبلاغها بأنّ السيّارة وحمولتها تعودان إلى المقاومة، والمطالبة بالإفراج الفوريّ عن الموقوفين، واستعادة السيّارة وما بداخلها”.

لهجة التهديد ضدّ الحكومة كانت واضحة على لسان النائب فضل الله من “مغبّة الاستمرار في الإجراءات ضدّ قيادة المقاومة وبيئتها”، مع الدعوة إلى “عدم استغلال حرص “الحزب” على السلم الأهليّ”، في رسالة تحذيريّة تحمل معاني احتمال سقوط كلّ الخطوط الحمر لدى “الحزب”!

تأجيل الإحالة؟

لكن كيف أتى الردّ داخل مجلس الوزراء؟

وفق المعلومات، حُسِمت مسألة الإحالة إلى المجلس العدليّ قبل انعقاد الجلسة، حيث رفض رئيس الجمهوريّة طلب وزير العدل عادل نصّار إحالة الملفّ إلى المجلس العدليّ “إلى حين استكمال كلّ جوانب التحقيق، وبعدها نرى ماذا سنفعل”.

كالعادة رفع وزراء “القوّات” و”الكتائب” سقف مواقفهم، لكنّ وزير العدل وَعد بتحضير مشروع الإحالة وعرضه على مجلس الوزراء في الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء.

خارج الحكومة كان النقاش أكثر تفصيلاً، ودخلت على خطّه جهات رئاسيّة. هل تصحّ الإحالة قبل صدور الادّعاء عن مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة القاضي كلود غانم، أي قبل تحديد كلّ عناصر “الجريمة” والمسؤوليّات؟

المجلس العدليّ

“الجريمة”، مصطلح تبنّته السلطة فور الكشف عن القضيّة، حين أكّد رئيس الحكومة نوّاف سلام، بعد علمه باعترافات موقوفي “الحزب”، “عدم التهاون في تحديد هويّة كلّ المتورّطين في هذه العمليّة الإجراميّة، ومَن وراءهم، والكشف عن مخطّطاتهم وأهدافهم، وتحويلهم جميعاً إلى القضاء لينالوا العقاب الذي يستحقّون”، مشدّداً على أنّ “الحكومة ستتعامل بالحزم المطلوب مع أيّ سلاح خارج إطار الشرعيّة، حيازةً ونقلاً واستخداماً”.
وفق المعلومات، حُسِمت مسألة الإحالة إلى المجلس العدليّ قبل انعقاد الجلسة، حيث رفض رئيس الجمهوريّة طلب وزير العدل عادل نصّار

استحضار انفجار المرفأ

بعض الجهات السياسيّة استحضرت ملفّ انفجار المرفأ، حيث حصلت الإحالة إلى المجلس العدليّ بعد يومين من الانفجار، قبل انتظار نتيجة التحقيق، وكثير من الجهات رأت في الإحالة “خطأ قانونيّاً”، خصوصاً إذا تبيّن لاحقاً أنّ المسؤوليّات تقف عند حدود التقصير وليس الفعل الجرميّ القصديّ.

كما ذهبت بعض الآراء السياسيّة إلى طرح السؤال الآتي: ماذا لو ضُبِطت مجدّداً شاحنة متفجّرات، أو تبيّن وجود متفجّرات مشابهة في أماكن داخل مناطق نفوذ “الحزب”، هل تُحال جميعها إلى المجلس العدليّ؟ ما مصير المضبوطات التي تعلن عنها قيادة الجيش وآخرها 200 كلغ من الموادّ المتفجّرة في منطقة القصر- الهرمل، كانت معدّة للتهريب من الأراضي السوريّة إلى داخل لبنان؟

أمّا أكثر الأسئلة حساسيّة: بعد أن تبنّى نائب في البرلمان ملكيّة متفجّرات تعود لحزبه، هل يذهب مفوّض الحكومة إلى حدّ الادّعاء على النائب حسن فضل الله؟ كيف ستتعامل السلطة مع تحذير نائب “الحزب” من أنّ الإحالة إلى المجلس العدليّ تهدّد فرص الحوار الداخليّ؟

خلاصة هذه التساؤلات، كما يقول مصدر سياسيّ رفيع تحدّث لـ”أساس”، تتجاوز الاعتبارات القانونيّة، حتّى في ظلّ قرارات صريحة أصدرتها الحكومة بحظر الأنشطة الأمنيّة والعسكريّة لـ”الحزب”، وتكليف القوى الأمنيّة تطبيق قرارات السلطة، لتطال جوهر مسألة السلاح العالق على خطّ واشنطن وطهران وروسيا وإسلام آباد، ومحاولة حلّه إمّا بالدبلوماسيّة، والتسويات من ضمنها، أو بحرب جديدة.

لا معطيات حاسمة حتّى الآن عمّا إذا كانت ستحصل الإحالة إلى المجلس العدليّ الذي بات يُصنّف “مقبرة” للملفّات، لكن في حال حصل ذلك يتوقّف تلقائيّاً التحقيق الذي يجريه القضاء العسكريّ، ثمّ يعيّن محقّق عدليّ في القضيّة.
شهدت مداولات مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة يوم الخميس الماضي نقاشاً محدوداً في ما يخصّ إحالة متفجّرات ضهر البيدر إلى المجلس العدليّ

قرار الادّعاء

ينتظر مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة القاضي كلود غانم نتائج التحقيقات التي تتولّاها “شعبة المعلومات” في قوى الأمن الداخليّ ومخابرات الجيش، واستكمال الاستدعاءات ليُصدِر بعدها قرار الادّعاء في القضيّة، بناءً على موادّ في قانون العقوبات واستناداً إلى القرارات الصادرة عن الحكومة في شأن السلاح، ثمّ يحيل الملفّ إلى قاضي التحقيق العسكريّ.

اترك تعليق