الحالة الانتظارية التي تطغى على المشهد اللبناني، ستبقى متواصلة، ومن دون سقف زمني، حتى يتبلور مشهد المنطقة. وإذا كان من الصعب في هذا الجو القاتم في المنطقة تقدير مآل الأمور مسبقاً، إلّا أنّ لدى اللبنانيين، وتبعاً لما هو متسارع فيها من استعدادات واستنفارات وتهديدات على أكثر من جبهة، وتبعاً لما عانوه ويعانونه ومرّوا به من تجارب صعبة على مدى السنوات الأخيرة، ألف سبب وسبب للتشاؤم وتوقّع الأسوأ، في منطقة تتراكم فيها احتمالات وتوترات تنذر بتداعيات صعبة وربما بمتغيّرات وتحوّلات وارتدادات واسعة النطاق.
وبديهي التأكيد هنا، أنّ التشاؤم ليس مبالغاً فيه، ذلك أنّ شراراته منبعثة من مصادر متعددة في آن واحد؛ من جبهة إيران القابعة فوق صاعق تفجير في أي لحظة، والجبهة السعودية اليمنية المفتوحة على مزيد من الاشتعال، ومثلها جبهة غزة والضفة الغربية، التي وُضعت في ما يبدو في الساعات الأخيرة على منصة التصويب المباشر. وجبهة لبنان المستباحة لاعتداءات إسرائيلية متعدّدة الأشكال والأنواع، وإبادة الحياة والعمران في منطقة جنوب الليطاني، التي كثف فيها الجيش الإسرائيلي في الساعات الماضية من عمليات النسف والتجريف للقرى والبلدات، وإحراق الحقول والمواسم الزراعية.
ومعلوم أنّ منطقة جنوب الليطاني تقف مع نهاية كانون الاول المقبل على عتبة فراغ خطير مع انتهاء فترة انتداب قوات «اليونيفيل» في هذه المنطقة. وكان لافتاً في هذا السياق، ما نُقل بالأمس عن سفير الولايات المتحدة الأميركية في الأمم المتحدة مايك والتز، بأنّ «الوقت قد حان لرحيل اليونيفيل».
وكل تلك الجبهات معلّقة على الاستحقاقين الداهمين، الأول، انتخابات الكنيست في إسرائيل، التي رغم انّها تبعد يومين عن موعدها في 27 تشرين الاول الجاري، لا تستبعد تقديرات المحللين عنصر المفاجأة التصعيدية منها، لتأجيل هذه الانتخابات، بعد فشل محاولة أولى لهذا التأجيل، كشف عنها الإعلام الأميركي، وتجلّت في إحباط الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجوم سعى إليه نتنياهو على إيران في العاشر من الشهر الجاري. واما الاستحقاق الثاني، فهو الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأميركية، التي سيتحدّد وفق نتائجها مسار المنطقة برمتها، وليس فقط جبهة إيران.
وربطاً بالانتخابات الإسرائيلية، توقف المراقبون عند التصعيد المفاجئ في الضفة الغربية، أمس، والإعلان عن عملية تمّ تنفيذها في الخليل، اعترف الجيش الإسرائيلي بأنّها أدّت إلى مقتل جنديين واصابة آخرين بجروح. واللافت في هذا السياق، الدعوة التدميرية للضفة الغربية التي أطلقها وزير المال الإسرائيلي يتسئليل سموتريتش، والتي تلاها إعلان رئيس الوزراء الاسرائيلي «انّه اطلع على عملية واسعة جداً في الضفة الغربية، ستكون غير مسبوقة منذ عام 1967، وسنختار التوقيت لتنفيذها». سيرةبنيامين نتنياهو
أخطر 7 أيام
إلى ذلك، أبلغ مسؤول رفيع إلى «الجمهورية» قوله، «إنّ النظر إلى الامور كما هي أمامنا على جبهات الصراع، يشعر المتمعن فيها بضعف احتمالات التصعيد، حيث أنّ المجال لم يعد يتسع لمواجهة او تصعيد. ولكن طالما اننا نعيش في عالم مجانين، يتصدّره نتنياهو، ومزاجية ترامب ومفاجآته التي لا تنتهي، لا أجد سبباً يدفع إلى الإطمئنان، بل يجب أن نتوقع أسوأ الامور».
أضاف: «لست وحدي من يقول ذلك، بل إنّ الدول قلقة. وبالمناسبة، أحد كبار الديبلوماسيين المخضرمين والمعروف عنه سعة اطلاعه، وهو ليس لبنانياً، أكّد في دراسة وضعها حديثاً (قبل اسبوع تقريباً) حول منطقة الشرق الاوسط، يخلص فيها إلى أنّ منطقة الشرق الاوسط، تمر في لحظة حرجة، وتواجه أخطر 7 ايام في تاريخها. والأهم في هذه الدراسة، انّه لا يتحدث عن منتصرين بل عن خاسرين من كل الأطراف».
على ان الاخطر في المجال الاقليمي ما قاله المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم براك، في مقابلة صحافيّة امس، ردا على سؤال حول احتمال توجيه ضربة اميركية لايران خلال عطلة نهاية الاسبوع، حيث اجاب قائلا: «بالتأكيد»، مشيرًا إلى أنّ «الرّئيس الأميركي دونالد ترامب كان واضحا جدًّا في موقفه، وقد أفسح المجال مرارًا للتوصّل إلى اتفاق، لكنّ طهران اتخذت مضيق هرمز ورقةً للمساومة».
الوضع اللبناني مقلق
وفي موازاة صورة المنطقة، صورة قلقة يرسمها ديبلوماسي عربي رفيع حول الوضع على جبهة لبنان، معتبراً أنّ «مسؤولية المساعدة لهذا تقع بالدرجة الاولى على الولايات المتحدة الأميركية، التي تستطيع أن تكبح إسرائيل، وتمنع اعتداءاتها وتفرض عليها الانسحاب من الأراضي اللبنانية».
الديبلوماسي العربي الرفيع، الذي بدا ملماً بشكل عميق بتفاصيل ودقائق الوضع اللبناني، شدّد وفق ما نُقل عنه في لقاءاته مع شخصيات لبنانية على «انّ على الدولة اللبنانية وكذلك على «حزب الله» وسائر الأطراف في لبنان، إدراك انّ الضرورة القصوى تقتضي الانفتاح والتفاهم في هذه المرحلة». وقال: «لا أرى أي مصلحة لأيّ طرف داخلي في لبنان، إشغال الداخل اللبناني بما يضرّ به».
وأثنى الديبلوماسي العربي على الجهد الذي بذله لبنان، ولاسيما بانخراطه في مسار التفاوض مع إسرائيل، وصولاً إلى إنجاز ما سُمّي الاتفاق الإطاري. فبذلك ألقى لبنان الحجة على إسرائيل. لكن الأمر الذي أراه محبطاً من وجهة نظري، هو أنّ الأميركيين، الذين أظهروا حسن نواياهم أمام اللبنانيين، لم يترجموا ذلك بالضغط المطلوب على إسرائيل، وفي المقابل، إسرائيل نفسها لم تتورّع من جانبها عن تأكيد مجافاتها لأي اتفاق، إبراز فوقية في التعامل مع ملف المفاوضات والاتفاق الإطاري. وفي ذلك برأيي رسالة واضحة من قبلها، بأنّها تسعى إلى تثبيت احتلالها بصورة دائمة لمنطقة جنوب الليطاني. وهنا أقارب بريبة شديدة وقلق كبير جداً، ترحيل قوات حفظ السلام (اليونيفيل) عن هذه المنطقة، حيث انّ هذا الامر لا يخدم سوى هدف إسرائيل، بجعل تلك المنطقة سهلة التحكّم بها من قبلها، بصورة أخشى أن تكون دائمة».
















