أسبوع رسم التوازنات: حرب أم تسوية؟

يدخل لبنان والمنطقة أسبوعاً سياسياً بالغ الحساسية، تتقاطع فيه الاستحقاقات الانتخابية الأميركية مع تداعيات الانتخابات الإسرائيلية، فيما تبقى جبهات المواجهة والتفاوض مفتوحة على احتمالات متعددة، من التسويات الديبلوماسية إلى تجدد التصعيد العسكري. إنّه أسبوع قد لا يحمل بالضرورة قرارات نهائية، لكنه قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة، ويكشف اتجاهات الرياح السياسية التي ستتحكّم بمسار المنطقة.

يستمر المشهد الداخلي محكوماً بمعادلة شديدة التعقيد، تتمثل في سعى الدولة إلى تثبيت سلطتها واستعادة قرارها السيادي، في مقابل تحدّيات أمنية وسياسية واقتصادية لا تزال تفوق قدرتها على المعالجة السريعة. وقد أكتسبت التطورات القضائية الأخيرة، وما رافقها من ملفات أمنية، أهمية إضافية في ضوء الجدل حول حصرية السلاح ومرجعية الدولة. أما على الجبهة الجنوبية، فلا تزال التفاهمات التي رعتها الولايات المتحدة الأميركية بين لبنان وإسرائيل، تواجه عقبات أساسية، في مقدّمها استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وعدم الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، وكذلك عدم إطلاق الأسرى وعدم عودة النازحين وإطلاق إعادة الإعمار، فضلاً عن مستقبل قوات «اليونيفيل» بعد انتهاء ولايتها نهاية السنة الجارية. وهي ملفات أكّد رئيس الجمهورية جوزاف عون، أنّ التقدّم فيها لم يبلغ بعد المستوى المطلوب.

وتقول أوساط ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، إنّ «السلطة اللبنانية، فيما تسعى لتجنّب الإنزلاق إلى مواجهة جديدة، فإنّ السؤال الأساسي المطروح هو: هل تنجح الديبلوماسية في إنتاج مظلة استقرار، تسمح للبنان بالتقاط أنفاسه وإعادة بناء مؤسساته، أم أنّ الحسابات الإقليمية ستُبقي الساحة اللبنانية عرضة لتبادل الرسائل والضغوط؟».

وعلى الصعيد الإقليمي، ترى الأوساط نفسها، انّ الأنظار تتركّز على الاتصالات الأميركية ـ الإيرانية الجارية بوساطة قطرية، في محاولة لاحتواء الحرب وتجنّب اتساع رقعتها. وقالت، إنّ «المفاوضات، التي دخلت مراحل متقدّمة لا تزال بعيدة من التوصل إلى اتفاق نهائي، وسط رسائل متناقضة تجمع بين الاستعداد للتفاوض ورفع مستوى الجهوزية العسكرية. وقد يشكّل نجاح هذه الاتصالات منعطفاً استراتيجياً، يفتح الباب أمام إعادة ترتيب العلاقات والتوازنات الإقليمية، فيما سيعني تعثرها إبقاء المنطقة أمام احتمالات تصعيد يصعب ضبط حدوده وتداعياته.

الحسابات الإسرائيلية والأميركية

وعلى الصعيد الإسرائيلي، يبدو انّ تل أبيب «دخلت مرحلة سياسية جديدة بعد انتخابات الكنيست الأخيرة، التي أظهرت عدم تمكن أي من المعسكرين من حصد الغالبية اللازمة لتشكيل حكومة. فبينما تصدّر حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو النتائج، بقيت الحسابات النيابية مفتوحة على مفاوضات ائتلافية معقّدة، أو احتمال استمرار المراوحة وصولاً إلى انتخابات جديدة. وهنا تكمن أهمية المرحلة: هل تفرز الأزمة حكومة أكثر استعداداً للتسويات، أم تعيد إنتاج مقاربة التشدّد والمواجهة، خصوصاً في الملفات اللبنانية والفلسطينية والإيرانية؟

أما على المستوى الدولي، فإنّ الانتخابات النصفية الأميركية، المقرّرة غداً، تتصدّر واجهة الاهتمام السياسي، لأنّ الاقتراع لن يقتصر على تحديد موازين القوى داخل الكونغرس، بل سيشكّل اختباراً شعبياً وسياسياً لإدارة الرئيس دونالد ترامب، وقدرته على مواصلة تنفيذ أجندته الداخلية والخارجية خلال العامين المتبقيين من ولايته. وأي تحول في السيطرة على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، ستكون له انعكاساته على حرّية حركة الإدارة الأميركية، وعلى ملفات الحرب والديبلوماسية والإنفاق والمساعدات والسياسة الخارجية.

ومن هنا، ترى الأوساط الديبلوماسية، انّه لا يمكن فصل المشهد اللبناني والإقليمي عن نتائج هذا الاستحقاق الأميركي. فواشنطن تبقى الطرف الأكثر تأثيراً في مسارات التفاوض والضغط، سواء في لبنان أو في المواجهة مع إيران أو في مستقبل النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. لكن السؤال، هو ما إذا كانت نتائج الانتخابات ستدفع الإدارة الأميركية إلى تسريع تسويات خارجية لتكريس إنجازات سياسية، أم ستجعلها أكثر انشغالاً بأزماتها الداخلية وحساباتها الانتخابية.

وفي ضوء هذه المعطيات، ترى الأوساط الديبلوماسية نفسها، انّ المنطقة تقف أمام ثلاثة سيناريوهات: الأول، نجاح المساعي الديبلوماسية في تثبيت التهدئة وفتح مسارات تفاوضية متوازية. والثاني، استمرار إدارة الأزمات من دون حلول نهائية، مع إبقاء جبهات التوتر تحت سقف المواجهة المحدودة. والثالث، تعثر التفاهمات وانزلاق المنطقة إلى موجة جديدة من التصعيد، تكون ساحاتها مفتوحة على احتمالات يصعب التكهن بنتائجها.

وتعتبر الأوساط الديبلوماسية، انّ لبنان هو الأكثر حاجة إلى السيناريو الأول، والأكثر عرضة لدفع أثمان السيناريو الثالث. ولذلك، فإنّ التحدّي الحقيقي لا يكمن فقط في مراقبة ما ستسفر عنه صناديق الاقتراع في واشنطن، أو مفاوضات تشكيل الحكومة في إسرائيل، أو الاتصالات بين طهران وواشنطن، بل في قدرة اللبنانيين على تحويل اللحظة الإقليمية إلى فرصة لاستعادة الدولة ومؤسساتها وقرارها الوطني.

ولذلك، تصف الأوساط الديبلوماسية هذا الاسبوع بأنّه «أسبوع تتداخل فيه صناديق الاقتراع مع طاولات التفاوض وحسابات الميدان. وقد لا تتضح كل نتائجه في أيامه السبعة، لكن المؤكّد أنّ ما سيجري خلالها سيكون جزءاً من معركة رسم التوازنات الجديدة في الشرق الأوسط. وفي هذه المعركة، يبقى السؤال اللبناني الأهم: هل يكون لبنان شريكاً في صناعة مستقبله، أم يظل ساحة تنتظر ما تقرّره عواصم الخارج؟

اترك تعليق