ما موقع لبنان في أيّ تسوية إقليميّة محتملة…؟!

تتجاوز التهديدات الإسرائيليّة الأخيرة حدود الضغط العسكريّ التقليديّ، لتطرح معادلة أكثر تعقيدًا تتّصل بموقع لبنان في أيّ تسوية إقليميّة محتملة. فالسيناريو الذي أوردته “معاريف”، وإن بقي في إطار الخطط العسكريّة المنقولة عن مصادر إسرائيليّة، يشير إلى توجّه نحو توسيع نطاق المواجهة من الحدود الجنوبيّة إلى عمق الدولة اللبنانيّة، وإدخال منشآتها الحيويّة ضمن حسابات الحرب.

وتكمن خطورة هذا الطرح في أنّ إسرائيل ترفع سقف التهديد إلى مستوى يجعل الحرب المحتملة تتجاوز استهداف القدرات العسكريّة لحزب الله، لتشمل السيطرة على مدن رئيسيّة وفرض حصار على المنافذ البحريّة. وبذلك، يصبح الاقتصاد اللبنانيّ وحركة الاستيراد والإمداد جزءًا من أدوات الضغط العسكريّ.

وفي هذا السياق، تكشف مصادر دبلوماسيّة أنّ أيّ اتفاق أميركيّ إيرانيّ سينعكس حكمًا على لبنان، لكنّ تطبيق مفاعيله على الساحة اللبنانيّة سيصطدم بالشروط الإسرائيليّة. فبحسب المصادر، تربط تل أبيب موافقتها على أيّ تسوية بنزع سلاح حزب الله وتفكيك منظومته العسكريّة، وتلوّح باللجوء إلى الحرب لتحقيق هذه الأهداف إذا تعذّر فرضها سياسيًّا.

وعليه، تكمن المعضلة في أنّ نجاح المفاوضات الإقليميّة قد يفتح بابًا للتهدئة، من دون أن يضمن حصول تسوية لبنانيّة. فإسرائيل تسعى، وفق هذه القراءة، إلى تحويل نتائج التفاوض الأميركيّ الإيرانيّ إلى مكاسب أمنيّة وعسكريّة مباشرة في لبنان، فيما تبقى قدرة واشنطن على ضبط الشروط الإسرائيليّة موضع اختبار.

على المقلب الأميركيّ، تشير المصادر الدبلوماسيّة إلى أنّ أولويّة إدارة ترامب تتمثّل في تحقيق خرق تفاوضيّ يمكن تقديمه للرأي العام الأميركيّ بوصفه إنجازًا سياسيًّا، ولا سيّما في الملفّ النوويّ الإيرانيّ.

غير أنّ المعطيات تتحدّث عن توجّه أميركيّ نحو عدم التعامل مع الملفّ النوويّ باعتباره شرطًا مسبقًا أو عنوانًا حصريًّا للمفاوضات، بل إدراجه ضمن سلّة أوسع من القضايا، بما يتيح هامشًا للتفاهم وتبادل التنازلات في ملفّات أخرى لصالح إيران.

وهنا تحديدًا تتقدّم المخاوف من دور رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو. فبحسب المصادر، ثمّة خشية من نجاحه في تقويض الانفراجات المحتملة بين واشنطن وطهران، عبر الدفع نحو شروط تُعطّل التفاوض أو تجعل الخيار العسكريّ أكثر حضورًا في الحسابات الأميركيّة.

وتتضاعف خطورة هذا الاحتمال بالنسبة إلى لبنان، لأنّ أيّ حرب أميركيّة على إيران ستضع حزب الله أمام استحقاق مصيريّ يتّصل بعلاقته الاستراتيجيّة بطهران. وتقدّر المصادر أنّ مواجهة من هذا الحجم قد تدفع الحزب إلى الانخراط فيها، بما يحوّل الجبهة اللبنانيّة إلى جزء من الحرب الإقليميّة.

وبذلك، تصبح المسألة أبعد من احتمال اندلاع حرب جديدة. فلبنان يواجه مسارين متناقضين في الظاهر، ومترابطين في النتائج: تفاوض قد يفرض عليه شروطًا أمنيّة قاسية، وحرب قد تستخدمها إسرائيل لفرض الشروط نفسها بالقوّة.

اترك تعليق