أيّام قليلة تفصل لبنان عن ذكرى مرور عامين على توقيع اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة في 26 تشرين الثاني 2024، وخمسة أشهر على توقيع اتّفاق الإطار في 26 حزيران من العام الجاري، والجنوب مشرّع على سيناريوهات كارثيّة من ضمنها تهديد إسرائيليّ صريح بالوصول إلى مُدن صور والنبطيّة وصيدا، في حال تدخّل “الحزب”ّ بأي حرب محتملة بين إيران وواشنطن، إضافة إلى التهديد الأخطر بدخول لبنان العدّ العكسيّ لمغادرة قوّات “اليونيفيل” نهاية العام من دون التمكّن من إيجاد الإطار الدوليّ أو الأوروبيّ البديل.
في الوقت الذي لا يزال فيه مسار المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة يُرسَم بلغة النار والتهديد، بالرغم من التقدّم في الوساطة القطريّة والتداول الجدّيّ في مسوّدة تُجدّد اتّفاق إنهاء الحرب، يرزح الداخل اللبنانيّ تحت ضغوط هائلة ينبع بعضها من هشاشة الاستقرار الداخليّ، والبعض الآخر من تقدّم مشهد “المجهول” على “المعلوم” في ما يخصّ الحرب مع إسرائيل، واحتمال توسّعها، إضافة إلى “الفَزَعَ” الرئاسيّ من مرحلة ما بعد “اليونيفيل”.
لم يُقدّم اجتماع تامبا الأخير، في 20 و21 تشرين الأوّل الماضي، بين الجيشين اللبنانيّ والإسرائيليّ سوى مادّة قلق إضافيّة ممّا تخطّط له إسرائيل جنوباً، وفي كلّ لبنان، حيث بقيت إسرائيل متمركزة عند معادلة ثابتة: “إنزعوا سلاح “الحزب” أوّلاً، وبعدها نتفاوض على الانسحاب”.
هذا ما يُشكّل فعليّاً نواة اتّفاق الإطار الذي وقّع عليه الجانبان في حزيران الماضي، برعاية أميركيّة، والذي ربطت فيه إسرائيل بوضوح بين “العمليّة المتبادلة والمتدرّجة” (الانسحاب وانتشار الجيش اللبنانيّ) و”المناطق التجريبيّة”، باستعادة “القوّات المسلّحة اللبنانيّة سلطة الدولة الفعليّة على كامل الأراضي اللبنانيّة، وذلك بعد التحقّق من نزع سلاح الجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتيّة المرتبطة بها، ممّا يتيح للقوّات الإسرائيليّة إعادة انتشارها تدريجيّاً خارج الأراضي اللبنانيّة”.
في الفترة التي فصلت بين توقيع هذا الاتّفاق وارتكاب إسرائيل أوسع وأخطر عمليّة تدمير مُمنهَجة للجنوب بتاريخ صراعها مع لبنان، مع ضغط إسرائيليّ واضح لإرساء معادلة التنسيق الأمنيّ المباشر بين الجيشين، كانت دول القرار المُرتبطة بـ “اليونيفيل”، خصوصاً فرنسا وإيطاليا، تسعى للبقاء على أرض الجنوب، منعاً لاستباحته أميركيّاً وإسرائيليّاً.
في الوقت الذي لا يزال فيه مسار المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة يُرسَم بلغة النار والتهديد، يرزح الداخل اللبنانيّ تحت ضغوط هائلة ينبع بعضها من هشاشة الاستقرار الداخليّ
البعثة الأوروبيّة
حتّى الآن سقطت كلّ المحاولات، بما في ذلك ما سعت إليه السلطة في لبنان بأن تتحوّل فترة العام 2027، المفترض أن تشهد على “فكفكة” اليونيفيل لكلّ منشآتها، وسحب عديدها حتّى آخر ضابط وعنصر، من دون تنفيذ أيّ مهامّ ميدانيّة، إلى عام لـ “تمديد إضافيّ لمهامّ اليونيفيل”، كما يقول مسؤول أمنيّ لـ”أساس”.
الرفض الإسرائيليّ والأميركيّ كان حاسماً، من دون نجاح الجهود اللبنانيّة والأوروبيّة والعربيّة في خلق إطار بديل يمنع حصول الفراغ الأمنيّ بدءاً من 1 كانون الثاني 2027.
المعطيات الرسميّة تشير في هذا السياق إلى أنّ آخر الرهانات اللبنانيّة هي الاستعانة بقوّات UNTSO (الموجودة في لبنان ومصر والأردن وسوريا وفلسطين)، المعروفة في لبنان باسم OGL (فريق المراقبة في لبنان)، وعددها محدود جدّاً، ووجودها سيكون رمزيّاً وليس فاعلاً على الأرض، خصوصاً أنّ “اليونيفيل” كانت لها قوّة تأثير اقتصاديّة كبيرة جدّاً في الجنوب، ما سيخلق فراغاً هائلاً أيضاً على مستوى الوظائف والدورة الاقتصاديّة، ويجزم كثر أنّ إسرائيل ستستغلّه لمصلحتها.
تُعرف مجموعة المراقبين في لبنان باسم OGL (Observer Group Lebanon)، وهي تابعة لهيئة الأمم المتّحدة لمراقبة الهدنة UNTSO، التي أُنشئت عام 1948 لمراقبة وقف إطلاق النار بين إسرائيل والدول العربيّة. وتعود بدايات وجود هذه المجموعة في لبنان إلى عام 1949، أي قبل إنشاء قوّات “اليونيفيل” عام 1978. وتضمّ ضبّاطاً عسكريّين دوليّين غير مسلّحين يتولّون مراقبة الوضع الميدانيّ في جنوب لبنان، ورصد الخروقات وتوثيقها وإعداد التقارير بشأنها، فضلاً عن المساهمة في قنوات الاتّصال لاحتواء التوتّرات.
رغم عملها بالتنسيق مع “اليونيفيل” واستفادتها من دعمها اللوجستيّ، تتمتّع المجموعة بمرجعيّة أمميّة وولاية قانونيّة مستقلّتين لا تخضعان للتجديد السنويّ من مجلس الأمن. ويتيح الإطار القانونيّ لـ”UNTSO” استمرار وجود مراقبين دوليّين في لبنان، وإن كان ذلك لا يعني قدرتهم على الحلول عسكريّاً محلّ القوّات الدوليّة أو استمرار ترتيبات عملهم الحاليّة تلقائيّاً.
تشير مصادر عسكريّة إلى أنّ مهامّ “اليونيفيل” راهناً تقتصر على مواكبة القوافل الإنسانيّة إلى رميش وعين إبل ودبل، وتسيير دوريّات مشتركة مع الجيش في المناطق غير المحتلّة، ومهمّات خاصّة بهم في المناطق المحتلّة، إضافة إلى توثيق الاعتداءات الإسرائيليّة.
عمليّاً، أقصى ما نجحت فيه الجهود الأوروبيّة إقرار مجلس الاتّحاد الأوروبيّ في 12 تشرين الأوّل الماضي إنشاء بعثة دعم تابعة للاتّحاد الأوروبيّ في لبنان في إطار سياسته الأمنيّة والدفاعيّة المشتركة، “ستعمل على تعزيز قدرات الجيش اللبنانيّ وقوى الأمن الداخليّ، وتقديم المشورة لهما، فضلاً عن دعم إدارة الأمن البحريّ”. البعثة هي عسكريّة- مدنيّة تمتدّ ولايتها لثلاث سنوات، وسيُعلن المجلس الأوروبيّ قراراً منفصلاً في شأنها بعد الانتهاء من التخطيط التشغيليّ المرتبط بها، فيما نطاق عملها خارج بقعة جنوب الليطاني تماماً.
لم يُقدّم اجتماع تامبا الأخير، في 20 و21 تشرين الأوّل الماضي، بين الجيشين اللبنانيّ والإسرائيليّ سوى مادّة قلق إضافيّة ممّا تخطّط له إسرائيل جنوباً، وفي كلّ لبنان
تقول مصادر عسكريّة لـ”أساس” إنّه “وفق المسار القائم، كلّ المراكز العسكريّة التابعة لـ”اليونيفيل” التي تقع ضمن نطاق المنطقة المحتلّة في جنوب لبنان، وعددها نحو 50 موقعاً، ستنتقل إلى الجيش الإسرائيليّ، فيما هناك أربعة مراكز فقط بعيدة نسبيّاً عن مناطق العمليّات العسكريّة”، مشيرة إلى أنّه “بدءاً من عام 2027، إذا لم يتمّ التوصّل إلى اتّفاق مغاير، لا يعود هناك أيّ صفة لـ”اليونيفيل” في ممارسة مهامّها المعهودة، لا سيما التنسيق العمليّاتيّ مع الجيش اللبنانيّ وتسجيل الخروقات والاعتداءات الإسرائيليّة، مهما كان حجمها”.
لا تنسيق أمنيّاً
رغم أنّ الجيش اللبنانيّ يجلس قبالة ضبّاط الجيش الإسرائيليّ خلال جولات التفاوض، ويتمّ الحديث مباشرة بينهما، تنفيذاً لقرار السلطة السياسيّة، فإنّ المصادر العسكريّة تؤكّد رفض الجيش اللبنانيّ المطلق حصول تنسيق أمنيّ وتواصل مباشر مع الإسرائيليّين، خلال وجود “اليونيفيل” وبعد مغادرتها، وهذا الأمر مغطّى أيضاً بقرار من السلطة السياسيّة، حيث يبقى الأمر قائماً على ما هو عليه من خلال التواصل غير المباشر عبر MCG4L (مجموعة التنسيق العسكريّ الخاصّة بلبنان)، أي عبر الطرف الأميركيّ حصراً. لكنّ كلّ المعطيات تؤكّد أنّ الجانب الأميركيّ يضغط بقوّة كي يحصل هذا التنسيق الأمنيّ المشترك، لا سيما بعد مغادرة “اليونيفيل”.
















