قصيدة اليدين ( انطوان العويط )

يدُه ظلُّ سفرٍ قديمٍ يتّجه نحو يد حفيده، بيتر العويط؛ ريحُ تعبٍ تبحث عن مرفأ، وعن شقّ ضوءٍ ترسو عليه، ورسائلُ سرّية كتبتها الحياة، ولم يجرؤ بعدُ على قراءة كلّ ما خبّأته بين سطورها.
أمّا يدُ الحفيد، فندى الفجر يهبط على غبار روح الجدّ، وغيمةُ ماءٍ على عطشه، ونسمةُ طمأنينةٍ تشرّع أبواب النهار.
في دفء يد الحفيد، يرتجف حنينٌ قديم لا يهدأ إلّا إذا نعست يدُ الجدّ في يده. عندها يتمدّد العالم ويتّسع، ويعود هو من غربته كلّها، لتصبح تلك اليد وطنَه الأخير وملجأه الذي لا يغادره.
تتّحد اليدان لتبوحا بالخبايا، ولتنسجا زمنًا ينفلت إلى فضاءٍ يعلو فوق القمر والنجوم. وبينهما تولد حكاية لا تشبه سواها؛ قصة كوخٍ صغير يُقام بين راحتين.
وحين يبسط الحفيد يده ليمسك يد الجدّ، تتشكّل لحظةٌ سرّية، كأنّ سفينةً لمعت في البعيد وهي تعود إلى مينائها بعد مواسم طويلة من الضياع.
هكذا ينبثق عالمٌ كامل من أصابع متشابكة، وتستيقظ عوالم الغابة من جديد، ويطلّ أصدقاؤنا السيّد الفيل، والسيّد القرد، والسيّد العصفور. وبين كفّين يولد بيتُ الحرّية.
وتتكلّم اليدان حين يتعالى شغب الطفولة، وتزهر الضحكات والنهفات، كما تنعسان كعصفورٍ أنهكته الرحلة عند استرخاء الجفون. عندها، يذوب الوقت ويتوارى المكان، فلا يبقى سوى يقينٍ طريّ بأنّ الحبّ يبدأ من يدٍ تسكن يدًا، ومن يدٍ صغيرة تصنع بلادًا لا تضيع.
وكلّما حان موسم البوح لدى الجدّ، انحنى ليقبّل تلك الكفّ الصغيرة. وإذا أثقلت الأيام كتفيه، فإنّه لا يطلب راحةً ولا يبحث عن ملاذ، بل يمدّ يده نحو يد حفيده، كخيطٍ يشدّه إلى الضياء، وكطيرٍ يستعيد به سماءه. تصير اليدان قصيدةً لا تُكتب، بل تُلمس، ويصير الحبّ واحةً للروح، يُقام بين راحةٍ وراحة.
وعلى مهلٍ، بهدوءٍ يشبه المعجزة، تتحوّل اليدان إلى نبضٍ واحد، ومقامٍ من سنابل لا تقدر الرياح على هدمه. يغدو الليل أكثر أنسًا، والعالم أقلّ وحدة.
فهو… سيّدي وأميري ومولاي حفيدي بيتر العويط، الذي يعرف كيف يرمّم ما انكسر في الناس برفق ماءٍ ينساب، ولا يترك في القلب سوى الحبّ… والحبّ… والحبّ.

اترك تعليق