واشنطن: لا وساطة ولا تدخّل بـ”بنك أهداف” إسرائيل

تتقاطع موجة التهجير الجماعيّ غير المسبوقة في مسار الحروب مع إسرائيل، مع تسجيل الجيش الإسرائيلي مزيداً من عمليّات التوغّل البرّي وتثبيت نقاط عسكريّة جديدة توسّع تدريجاً بقعة المنطقة العازلة، بالتزامن مع إعادة تموضع مستمرّة للجيش اللبنانيّ جنوب الليطاني. في المقابل عجزٌ سياسيٌّ عن تغيير فاصلة في مسار الحرب والتدمير الممنهج في الضاحية والجنوب والبقاع، على الرغم من شبكة الاتّصالات الشغّالة مع الخارج.

كانت السلطة في لبنان تسعى إلى وقف إطلاق نار فوريّ، وسط جنون إسرائيليّ، بالتزامن مع اتّخاذ مزيد من الإجراءات التي تحاصر “الحزب” والإيرانيّين في لبنان، فيما كان الإعلام الحربيّ في “الحزب” لا يزال يتحدّث عن استهدافه لآليّات عسكريّة إسرائيليّة كانت تتقدّم باتّجاه الخيام، وبلدات حدوديّة أخرى، وإطلاق صليات صاروخيّة باتّجاه مراكز إسرائيليّة في الداخل وفي الجولان السوريّ.

يهيمن استاتيكو من الاستنزاف خرقته، وفق معلومات “أساس”، محاولة قادها رئيس الجمهوريّة يوم الخميس عبر التواصل مع الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون والسفير الأميركيّ في بيروت ميشال عيسى بحكم قدرتهما على التواصل المباشر مع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. قضت “المهمّة” الرئاسيّة بدفع الأميركيّ للضغط على تل أبيب “لعدم استهداف الضاحية الجنوبيّة لبيروت”، بعد موجة الإنذارات بالإخلاء الجماعيّ غير المسبوق في تاريخ الحروب مع إسرائيل، إضافة إلى “العمل على وقف إطلاق النار بأقصى سرعة ممكنة”، كما ورد على حساب رئاسة الجمهوريّة الرسميّ على “إكس”.
تبيّن على أرض الواقع أنّ “الحزب” ممسك، بحرّية الحركة في الجنوب، على الرغم من الجهد الاستثنائيّ الذي بَذله الجيش

تخفيف الضّربات لا منعها

يقول قريبون من بعبدا إنّ “المساعي أسفرت فعليّاً عن التخفيف من “عدّاد” الضربات، من دون أن تنجح في منعها نهائيّاً، فتدرّجت الضربات بفوارق زمنيّة سمحت بخروج العدد الأكبر من المواطنين من الضاحية الجنوبيّة”.

تفيد معلومات “أساس” أنّه منذ دخول “الحزب” على خطّ الحرب، وبدء إطلاقه الصواريخ باتّجاه الأراضي المحتلّة، فُقد التواصل تماماً مع المفاتيح المقرّرة داخل “الحزب”، وبقي اللينك قائماً بحدّه الأدنى مع بعض المسؤولين، غير العسكريّين، الذين لم يكن لديهم ما يضيفونه بعد بيان رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمد رعد، وبيان رئيس المجلس السياسيّ محمود قماطي، ثمّ خطاب الأمين العامّ الشيخ نعيم قاسم الذي أعلنها حرباً مفتوحة “ولا مجال للاستسلام مهما غلت التضحيات”.

بدا أمس استقبال رئيس الحكومة نوّاف سلام في السراي للسفراء العرب والأجانب في لبنان نسخة موسّعة عن استقبالات رئيس الجمهوريّة جوزف عون لسفراء ومسؤولين دوليّين في اليومين الماضيين، بنتيجة صفر تقريباً.

مصادر دبلوماسيّة تحدّثت لـ”أساس”، “أكدت أنّ قدرة التأثير راهناً محصورة فقط بالأميركيّ القادر وحده على التأثير على قرار الجانب الإسرائيليّ، فيما بنك أهداف تل أبيب لا يزال طويلاً”.

الحرب 2: أكثر تعقيداً وخطورة

في السياق نفسه، ترى مصادر سياسيّة أنّ الحرب على لبنان بنسختها الثانية، وبأيّامها الستّة حتّى الآن، أكثر خطورة وتعقيداً لأسباب عدّة:

– لا يسعى الأميركيّ إلى لعب دور الوسيط لتكريس اتّفاق وقف إطلاق نار ثانٍ في الداخل اللبنانيّ، ولا إسرائيل حتماً، والسبب أنّهما ينظران إلى بيروت وطهران كجبهة واحدة. دخل اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة الموقّع في تشرين الثاني 2024 في “تفاصيل” الخطوات المطلوبة من “الحزب” والدولة وإسرائيل، وصولاً إلى تحديد من يجدر به حمل السلاح فقط، ونقاط التمركز العسكريّة للجيش في بعض المناطق بعد سحب السلاح منها. صياغة اتّفاق آخر لوقف إطلاق النار، بتأكيد مصادر، غير وارد راهناً، وما سرّبه الإعلام الإسرائيليّ عن اتّفاق “موسّع” مع لبنان لن يحصل، وفق الحسابات الإسرائيليّة، إلّا بعد القضاء نهائيّاً على “الحزب”، بغطاء أميركيّ واضح.
خطوط التواصل مع “الحزب” مقطوعة… وتلزيم أميركيّ مفتوح لإسرائيل

– ترى اللجنة الخماسيّة، بكلّ أطرافها بمن في ذلك الفرنسيّ، أنّ الحكومة اللبنانيّة فشلت فشلاً ذريعاً، على مدى عام وخمسة أشهر، في امتحان الحدّ من قدرات “الحزب” العسكريّة جنوب الليطاني، شماله، وفي كلّ لبنان. محاضر الاجتماعات مع الرئيسين عون وسلام، إضافة إلى قرارات وإجراءات صادرة رسميّاً عن الحكومة، من ضمنها إعلان انتهاء المرحلة الأولى من خطّة الجيش جنوب النهر، كلّها كانت تصبّ في سياق إقناع أعضاء “الخماسيّة” بأنّ نزع سلاح “الحزب” أولويّة أساسيّة لدى الحكومة، والجيش قادر على الانتشار وتسلّم مهامّ الأمن.

لكن تبيّن على أرض الواقع أنّ “الحزب” ممسك، بحرّية الحركة في الجنوب، على الرغم من الجهد الاستثنائيّ الذي بَذله الجيش، بإمكاناته المحدودة، لفرض واقع تسلّمه زمام السيطرة العسكريّة غير المسبوق. هنا تشير المعلومات إلى أنّ العمل الدبلوماسيّ لن يتوقّف، لكنّه لم يصل حتّى الآن إلى حدّ وصول أيّ موفد دوليّ من الوزن “الثقيل” إلى لبنان، أو خلق خليّة أزمة دوليّة، للدخول في وساطة رسميّة مباشرة.

– التلزيم الأميركيّ المفتوح لإسرائيل بملفّ “التخلّص من الحزب” يتقاطع مع ضغط دوليّ، خصوصاً أميركيّاً، يطلب إجراءات فوريّة وأكثر حزماً من الحكومة. تردّدت معلومات أمس عن طلب أميركيّ – إسرائيليّ واضح لأن يعلن “الحزب” وقف عمليّاته العسكريّة نهائيّاً، تمهيداً لإعلان الحكومة نفسها حلّ “الحزب”، في ظلّ تماهٍ كامل بين قيادتَيه العسكريّة والسياسية، والشروع بعدها في تفاوض مباشر مع الإسرائيليّ بعد التيقّن من عدم القدرة العملانيّة لـ”الحزب” على إطلاق أيّ رصاصة.

تعلّق مصادر سياسيّة قائلة: “لا تفاوض راهناً من جانب أيّ مرجعية رئاسيّة مع “الحزب”، لكنّ الأخير يتصرّف على أساس أنّها معركة وجود، ولذلك قد يُسقط كلّ المحرّمات في سياق هذه المعركة المفتوحة”.

اترك تعليق