وقف النار الساري منذ منتصف ليل الخميس 16 نيسان لمدّة عشرة أيّام يجعل طرفَيْ النزاع الضاري، إسرائيل و”الحزب”، في موقع أنّ أحدهما منتصر والآخر مهزوم. منطق يسعى كلّ منهما أن يزعمه، على نحو مطابق لتعليق العمليّات العسكريّة بين الولايات المتّحدة وإيران الساري منذ 8 نيسان. كلّ منهما قال إنّه انتصر على الآخر، على أنّ جلوسهما إلى طاولة التفاوض تحوّل إلى معضلة مصدرها استعصاء التوصّل إلى اتّفاق بين رابحَيْن. هذا مع العلم أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب سأل الرئيس عون في اتصاله الهاتفي أمس: “هل سيلتزمالحزب بوقف إطلاق النار؟”.
جلس الأميركيّون والإيرانيّون في إسلام آباد وجهاً لوجه في 10 نيسان و11 منه في ضوء تعليق العمليّات العسكريّة بين الدولتين. في واشنطن جلس لبنان وإسرائيل برعاية أميركيّة في 14 نيسان لمباشرة مفاوضات سبقت وقفاً للنار أُعلن بعد ثلاثة أيّام. وضع توالي حدثَيْ وقف الهجمات والجلوس إلى طاولة واحدة وجهاً لوجه معطيات جديدة في الصراع الممتدّ من مضيق هرمز إلى الحدود اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة:
1- فصل مشكلة لبنان مع إسرائيل عن مشكلة الأميركيّين مع الإيرانيّين، وتالياً إدارة تفاوضَيْن مختلفَيْن في أهدافهما السياسيّة ونتائجهما المتوخّاة. أُعطيت طهران وقفاً للنار في لبنان، إلّا أنّها حُرمت مناقشة قضيّة هذا البلد على طاولة تفاوضها مع واشنطن، وهو ما رامته بغية تأكيدها أنّها لا تزال ملاذ “الحزب” وتريد أن تحفظ له مقعداً إلى جانبها في ما سيسفر بينها وبين واشنطن.
كان “الحزب” أيضاً أوّل المفاوضين في اتّفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024 ممثّلاً بالرئيس نبيه برّي
ذلك ما حمل “الحزب” على أن يعزو وقف النار إلى شرط إيرانيّ استجاب له الأميركيّون أخيراً على طريق الوصول إلى جلسة ثانية في إسلام آباد. فحوى الانتصار الذي استعجل “الحزب” إعلانه قبل وقف النار، وهو يبصر الدمار الذي يلحق به وبطائفته، أنّ ما لم يكن يقبل به الأميركيّون قبل الجلسة الأولى لمفاوضات إسلام آباد وبعدها ورفضته إسرائيل في كلّ الأوقات، فرضته إيران، على نحو الاعتقاد بأنّها فرضت بدورها وقف العمليّات العسكريّة عليها. مثل طهران، احتاج “الحزب” إلى ما يمكن أن يصوَّر لنفسه والآخرين سبباً لإعلان انتصار ذي بُعد عقائديّ دينيّ ليس إلّا.
استعجال التّفاوض
2- استعجال الجلسة الأولى من التفاوض اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ في واشنطن قبل وقف النار توطئة لما سيلي في ما بعد، أخرج للمرّة الأولى الدولة اللبنانيّة من تحت وصاية “الحزب” الذي كانت موازين القوى الداخليّة تفرض انصياعها له.
في “تفاهم نيسان” عام 1996 كان “الحزب” الطرف المباشر من غير أن يكون إلى الطاولة، فيما مثّلته سوريا أكثر من الدولة اللبنانيّة في اللجنة الخماسيّة التي ضمّتهما مع الولايات المتّحدة وفرنسا وإسرائيل. حصل ذلك أيضاً في مفاوضات القرار 1701 عام 2006 حين تحدّثت بالنيابة عنه حكومة الرئيس فؤاد السنيورة برضوخ كامل له. كان “الحزب” أيضاً أوّل المفاوضين في اتّفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024 ممثّلاً بالرئيس نبيه برّي.
الحزب
في المرّات الثلاث هذه، الناشئة عن حروب ضارية، كان الأميركيّون شريكاً رئيساً في اتّفاقات وقف النار، وجلس لبنان وإسرائيل إلى الطاولة نفسها وجهاً لوجه. عمّرت لجنة مراقبة وقف النار بعد “تفاهم نيسان” أربع سنوات بين عامَيْ 1996 و2000 قبل أن تتوقّف، ولا تزال لجنة “الميكانيزم” قيد العمل منذ عام 2024.
في التفاوض المباشر الحاليّ، المماثل لما رافق السوابق المنصرمة، رفض “الحزب” سلفاً ما كان قَبِلَ به في ما مضى، دون أن يكون صدر عن رئيس الجمهوريّة جوزف عون أنّه ماضٍ في اتّفاق سلام مع إسرائيل.
تعترف الولايات المتّحدة بحقّ إسرائيل في الردّ على التهديدات الآتية من الأراضي اللبنانيّة وفقاً للقانون الدوليّ.
التباس الإعلان
3- الالتباس الذي تضمّنه إعلان هدنة الأيّام العشرة في البند الرابع، ونصّ على حقّ إسرائيل وحدها في الدفاع عن النفس “في أيّ وقت في مواجهة أيّ هجمات مخطّطة أو وشيكة أو جارية على أن لا يتأثّر هذا الحقّ بوقف الأعمال العدائيّة. باستثناء ذلك، لن تقوم بأيّ عمليّات عسكريّة هجوميّة ضدّ أهداف لبنانيّة، سواء كانت مدنيّة أو عسكريّة أو تابعة للدولة على الأراضي اللبنانيّة برّاً أو جوّاً أو بحراً”.
مكمن الالتباس في هذا البند أنّ الحقّ المعطى لإسرائيل حُرم منه لبنان، والمقصود أن يُعطى للطرف الآخر في القتال وهو “الحزب” على نحو ما أُعطيا إيّاه في اتّفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024 على قدم المساواة. في الاتّفاق الحاليّ الساري، فُصِل بين “الحزب”، دونما أن يسمّيه، و”الدولة اللبنانيّة” بأن حيّد بناها ومنشآتها عن أيّ هجمات عسكريّة.
مبعث القلق في هذا الشقّ أنّه يربط ضمناً بينه وبين رسالة الضمانات السرّيّة الأميركيّة التي سرّبتها إسرائيل بُعيد وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024 على نحو يحيل هذه الرسالة مرجعيّة لاستنساب إسرائيل حقّها في الدفاع عن النفس ضدّ “الحزب” وتبرير أيّ هجمات محتملة.
الضّمانات الأميركيّة الجانبيّة
نصّت ورقة “الضمانات الجانبيّة الأميركيّة” المؤرّخة في 26 تشرين الثاني 2024، عشيّة صدور اتّفاق وقف النار آنذاك على:
“تلتزم الولايات المتّحدة بالتعاون مع إسرائيل كبح أنشطة إيران المزعزعة في لبنان، بما في ذلك منع نقل الأسلحة أو أيّ دعم من إيران.
في التفاوض المباشر الحاليّ، المماثل لما رافق السوابق المنصرمة، رفض “الحزب” سلفاً ما كان قَبِلَ به في ما مضى
– تعترف الولايات المتّحدة بحقّ إسرائيل في الردّ على التهديدات الآتية من الأراضي اللبنانيّة وفقاً للقانون الدوليّ.
– في المنطقة الجنوبيّة، تحتفظ إسرائيل بحقّها في التحرّك في أيّ وقت ضدّ انتهاك الالتزامات.
– خارج المنطقة الجنوبيّة، تحتفظ إسرائيل بحقّها في التحرّك ضدّ تطوّر التهديدات الموجّهة إليها إذا لم يستطِع أو لم يرغب لبنان في إحباط هذه التهديدات، بما في ذلك إدخال أسلحة غير قانونيّة إلى لبنان عبر الحدود والمعابر.
















