انعقدت الجولةُ التفاوضيّةُ التمهيديّةُ الثانيةُ في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، على إيقاعِ مشهدٍ إقليميٍّ أشدّ توتّرًا وتعقيدًا، حيثُ تسود حالة من عدم اليقين في العلاقة بين الولايات المتّحدة وإيران، تحديدًا حول ما إذا كانت ستتقدّم مناخات التسوية بينهما على حساب مؤشّرات المواجهة.
والتأمت هذه الجولة على وقع مفاجأةٍ غير متوقّعة، إذ أقدمت الإدارة الأميركيّة، قبيْل وقت قصير من انطلاقها، على نقل مكان المباحثات من مقرّ وزارة الخارجيّة إلى البيت الأبيض، في خطوةٍ تتجاوز دلالاتها البعد الشكليّ لتلامس عمق الرسائل السياسيّة الكامنة خلفها.
ولم يكتمل ثقل الحدث إلاّ باستقبال الرئيس دونالد ترامب شخصيًّا، إلى جانب أركان إدارته، الوفديْن المفاوضيْن، في مشهدٍ نادرٍ غير مسبوق يرفع لبنان إلى مصافّ الأولويّات المباشرة داخل مركز القرار الأميركيّ، ويُضفي على المسار التفاوضيّ طابعًا استثنائيًّا غير مسبوق، بما يعكس حجم الرهانات المعقودة عليه وتشابك المصالح المرتبطة به.
في هذا التوقيت المفصليّ، لا يبدو الداخل اللبنانيّ خارج المعادلة، حيث تتقاطع على أرضه الإرادات، وتتجاذبه مشاريع متعارضة ومتصادمة، بين اندفاعةٍ رسميّةٍ صلبةٍ نحو التفاوض المباشر بوصفه المسارَ الإنقاذيّ الوحيد المتاح، ومحاولاتٍ داخليّةٍ لعرقلتها، تتراوح بين المواجهة العنيفة والرفض الجذريّ من قبل “حزب الله”، وبين أدوارٍ رماديّة لا تزال معالمها ملتبسة، يُنظر إليها على أنّها تفتقر إلى بدائل فعليّة أو قابلة للتحقّق، وتعمل على ضبط إيقاع التفاوض وتقييده، بما يسهم في رسم حدودٍ سياسيّةٍ ضيّقة لسقوفه المحتملة.
إلّا أنّ الوتيرةَ التي اعتمدتْها الدولةُ لم تخبُت، فلبنانُ لا يستطيع إسقاطَ مثل هذا الخيار مهما اشتدّ وقع التهديد بوجه الرئاستيْن الأولى والثالثة؛ إذ يعني ذلك، إن حصل، إمّا العودةَ إلى حربٍ محتومةٍ مدمّرةٍ لا ضوابطَ لها، لا في الزمن ولا في النتائج، أو اندثارًا كاملًا ونهائيًّا لمفهومِ الدولة التي تسعى إلى استعادة قرارها وماهيّتها وسلطتها من يدِ فصيلٍ عسكريٍّ موازٍ خارجَ الشرعيّة، خاضعٍ لدولةٍ أجنبيةٍ هي إيران، في زمنٍ دقيقٍ يطوّق المنطقة وتعقيداتٍ جمّةٍ تحيط بلبنان من كلّ الجهات.
في موازاة ذلك، تتّسع الفجوةُ بين الرؤيتيْن اللبنانيّة والإسرائيليّة إلى حدٍّ يكاد يجعل التفاوضَ أقربَ إلى إدارةِ نزاعٍ منه إلى إنتاجِ حلّ، أقلّه في المرحلة الأولى من انطلاقته.
فلبنانُ، من موقعه الرسميّ، قدّم سلّةً من الشروط الواضحة والمباشرة، في مقدّمها تمديد الهدنة، وقد نجح في انتزاع هذا التمديد لثلاثة أسابيع، في خطوةٍ تعكس قدرةً تفاوضيّةً متقدّمة وتُظهر حضورًا فاعلًا في إدارة اللحظة الدقيقة، لا مجرّد تكيّفٍ مع إملاءاتها. لكن تبقى المطالب الأخرى من دون أجوبة آنيّة، وتتعلّق بوقفٍ شاملٍ للعمليات العسكريّة، إلى وقفِ تدمير القرى، ووقف الاعتداءات على المدنيين وعلى الاسعاف والصليب الاحمر والإعلاميين، والانسحابِ الكامل من الأراضي المحتلّة بما فيها ما يُعرف بـ”الخطّ الأصفر”، وإطلاقِ الأسرى، واستكمالِ ترسيم الحدود برًّا وبحرًا بما يُقفل ملفَّ النزاع الحدوديّ نهائيًّا.
في المقابل، ترتفع السقوفُ الإسرائيليّة إلى مستوى يتجاوزُ مجرّد ترتيباتٍ أمنيّةٍ ظرفيّة، نحو مسارٍ متكامل يبدأ بسحب سلاح “حزب الله” وتفكيك بنيته العسكريّة، ويمتدّ إلى الانسحاب العسكريّ، فلا يُطرح كاستحقاقٍ بديهيّ، بل كورقةِ تفاوضٍ مشروطة، تُربط بتقدّمٍ ملموسٍ في هذا المسار، وتُنفَّذ تدريجيًّا وفق جدولٍ زمنيٍّ متدرّج.
ولا تقف المطالب الإسرائيليّة عند هذا الحد، بل تتجاوزه إلى محاولة تكريس واقعٍ أمنيٍّ جديد عبر الاحتفاظ بمنطقةٍ عازلةٍ داخل الأراضي اللبنانيّة، قد تُدار شكليًّا بصورةٍ مشتركة، لكن تحت إشرافٍ إسرائيليٍّ مباشر. وإلى جانب البعد الأمنيّ، والسياسيّ لاحقًا، تبرزُ مقاربةٌ اقتصاديّةٌّ موازية، تسعى من خلالها إسرائيل إلى ربطِ لبنان بها عبر بوابةِ النفط والغاز، سواء من خلال ما تُسمّيه “المنطقة الاقتصاديّة الجنوبيّة”، أو عبر تفاهماتٍ تطالُ البلوكات البحريّة، بما يحوّل الاقتصادَ إلى أداةِ تثبيتٍ للمعادلة السياسيّة والأمنيّة الجديدة.
غير أنّ ما يجري على طاولة التفاوض لا يعكس وحده صورةَ المشهد. فالميدانُ، في جنوب لبنان، يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. اتفاقُ وقفِ إطلاق النار يتعرّض لسلسلةٍ من الخروقات المتواصلة، تتقدّم فيها إسرائيل عبر عملياتِ هدمٍ ممنهجة، وتغييرٍ متدرّجٍ في الوقائع الجغرافيّة، واستمرارِ الاستهدافات العسكريّة، فيما يردّ “حزب الله” حتى الآن بهجماتٍ محدودةٍ ومدروسة، بلغت ذروتها بالتزامن مع لقاء البيت الأبيض، عبر قصفٍ طال شمال إسرائيل، محاولًا إيصال أكثر من رسالةٍ في آنٍ واحد: رفضَ العودة إلى ما كان عليه الوضع في تفاهمات تشرين الثاني 2024، ورفضَ منح إسرائيل حرّيةَ الحركة العسكريّة تحت أيّ مسمّى، والأهمّ، التشكيكَ بجدوى المسار التفاوضيّ القائم في واشنطن.
هنا يتكشّف التناقضُ الجوهريّ في مفاوضات ثبّتت الهدنة وطوّرتها تمهيدًا لجولةٍ ثالثةٍ أكثر عمليّةً ورفعةً في المستوى، مقابل ميدانٍ يعيد إنتاجَ أسباب الانفجار. وعلى الرغم من السعي الأميركيّ الحثيث والعمليّ لفصل الملفّ اللبنانيّ عن نظيره الإيرانيّ، يبقى قرار التصعيد أو التهدئة رهينةَ اتّضاح الصورة النهائيّة لما قد تؤول إليه العلاقة بين واشنطن وطهران. فإذا انزلقت الأمور نحو تجدّد المواجهة مع إيران، يرجّح أن ينخرط “حزب الله” مجدّدًا في القتال. أمّا لبنان، في معادلاته الوطنيّة ومصالحه الحيويّة، فلا مصلحة له في العودة إلى دوّامة الحرب، بل في تثبيت مسار التهدئة وفتح أفقٍ مختلفٍ يجنّبه كلفة الانفجار من جديد.
في الخلاصة، لا يزال لبنان، حتّى الآن، معلّقًا بين طاولةِ التفاوض وضجيجِ الميدان، وعالقًا في منطقةٍ رماديّة، حيث لا الحرب تُحسم ولا السلام يُنجَز.
رأي حر لبنان بين البيت الأبيض والميدان: انفراج أم انفجار؟(انطوان العويط)


















