الحرب تسحق عمّال لبنان

على الضدّ من كلّ الخُطب الاحتفاليّة في عيد العمّال، وعلى عكس كلّ ما يُقال عادةً عن “صمود اللبنانيين”، وما يلي ذلك من مراسم كرنفاليّة شبه فلكلوريّة، هناك واقع آخر، اقتصاديّ واجتماعيّ وعمّاليّ، أقلّ قابليةً للإنشاد وأشدّ سوداويّة في الحساب.

الآن، في موسمٍ يُفترض أن ترتفع فيه وتيرة التشغيل في الزراعة والبناء والمطاعم والفنادق والنقل والمحالّ الصغيرة، خرج آلاف العمّال من دورة العمل، أو تراجعت ساعات عملهم ومداخيلهم. السبب لا يرتبط بتراجعٍ طبيعيّ في الطلب، بل بتعطّل الوصول إلى أماكن العمل، ونزوح العمّال وأصحاب المؤسّسات، وإقفال الطرق والمحالّ، وتراجع الاستهلاك في المناطق المتضرّرة.

بهذا المعنى، لم يعد عيد العمّال في لبنان مناسبةً اجتماعيّة رمزيّة، بل مؤشّرًا إلى اختلالٍ أعمق في سوق العمل. فالحرب التي بدأت في 2023 ثم توسّعت في 2024، لتصل ذروة التصعيد الواسع في آذار 2026، جاءت فوق اقتصادٍ منهك منذ 2019، وضربت الفئات الأقلّ حماية: العمّال اليوميّين، العاملين في الاقتصاد غير النظاميّ، اللاجئين، والعمّال المهاجرين. هذه الفئات تعتمد على دخلٍ متقطّع، ولا تملك غالبًا تعويض بطالة أو مدّخرات أو حماية اجتماعيّة كافية.

حربٌ على اليوميّة

أظهرت أرقام البنك الدولي حجم الضربة. فقد قُدّرت خسائر نزاع 2023، 2024 أوّلًا وبشكل غير نهائي بنحو 8.5 مليارات دولار، منها 3.4 مليارات دولار أضرارًا مادّيّة و5.1 مليارات دولار خسائر اقتصاديّة. كما خسر نحو 166 ألف شخص وظائفهم، وتراجعت الأجور بنحو 168 مليون دولار، فيما تضرّرت التجارة والزراعة بفعل النزوح وتلف المحاصيل والماشية وخروج مزارعين وعمّال من دورة الإنتاج.

وفي تقدير لاحق للفترة بين 8 تشرين الأوّل 2023 و20 كانون الأوّل 2024، ارتفعت كلفة النزاع إلى نحو 14 مليار دولار، منها 6.8 مليارات دولار أضرارًا مادّيّة و7.2 مليارات دولار خسائر اقتصاديّة، وبلغت حاجات التعافي وإعادة الإعمار 11 مليار دولار. كما انكمش الناتج المحلّي الحقيقي 7.1% في 2024، بدل نموٍّ افتراضيّ بـ0.9% لولا الحرب. أي أنّ النزاع لم يدمّر الأصول فقط، بل عطّل الإنتاج، وخفّض الدخل، وعمّق الانكماش.

وفي سوق عملٍ واسع الهشاشة، لا يحتاج العامل إلى قرار صرفٍ رسميّ كي يصبح بلا دخل. يكفي أن تُقفل الطريق، أو ينزح صاحب الورشة، أو تُقصف البلدة التي يعمل فيها، أو يغيب الزبائن، أو

اترك تعليق