ثلاثمئة وسبع قرى هو العدد الإجمالي التقريبي لقرى جنوب لبنان، الممتدة بين محافظتي الجنوب والنبطية، والموزعة على أقضية صيدا، صور، جزين، النبطية، بنت جبيل، مرجعيون، وحاصبيا. وبين هذه القرى، هناك خمس وخمسون قرية تخضع لاحتلال ميداني مباشر، فيما يدّعي العدو الإسرائيلي أنه يسيطر على 68 قرية. كذلك توجد 58 قرية أخرى مخلاة بفعل التهديدات الإسرائيلية والإنذارات العسكرية، وهو ما يشكل جوهر ما تسميه إسرائيل بـِ “الخط الأصفر”.
قرى الشريط الحدودي
تشمل قرى الشريط الحدودي والخط الثاني، التي تتعرض للاحتلال العسكري المباشر:
الناقورة، علما الشعب، الضهيرة، طير حرفا، الجبين، البستان، مروحين، شيحين، أم التوت، يارين، الزلوطية، البطيشية، عيتا الشعب، رامية، القوزح، دبل، بيت ليف، بنت جبيل، مارون الراس، يارون، بليدا، رب ثلاثين، العديسة، كفركلا، حولا، ميس الجبل، مركبا….
أما القرى التي طالتها التهديدات والإنذارات بالإخلاء بعد وقف إطلاق النار، فتتوزع على الشكل التالي:
النبطية (25 قرية – شمال الليطاني)
كفرتبنيت، زوطر الشرقية، زوطر الغربية، أرنون، يحمر، شوكين، ميفدون، النبطية الفوقا، حبوش، دير الزهراني، حومين الفوقا، عربصاليم، حاروف، عبا، جبشيت، عدشيت، قعقعية الجسر، بريقع، كفرصير، تول، كفرجوز، القصيبة، الدوير، الشرقية.
بنت جبيل (16 قرية)
الغندورية، برج قلاويه، جميجمة، صفد البطيخ، قلويه، برعشيت، شقرا، عيتا الجبل، تبنين، السلطانية، بير السلاسل، دير كيفا، خربة سلم، كفردونين، سلعا، صريفا.
مرجعيون (قريتان)
الصوانة، عين عرب.
صور (15 قرية)
السماعية، الحنية، القليلة، وادي جيلو، الكنيسة، كفرا، مجدل زون، صديقين، المجادل، أرزون، الحميري، معروب، قانا، شحور، صريفا.
وهذا يعني أن ثلث قرى الجنوب اللبناني باتت إما محتلة، أو مهددة، أو خاضعة لإنذارات الإخلاء، وهذا ما يجعل قراءة الواقع الميداني تتجاوز المرحلة الآنية إلى ما يضمره العدو الإسرائيلي مستقبلًا لهذه المنطقة.
مشهد ميداني يتجاوز العمليات الظرفية
ما يجري في القرى الـ 58 الممتدة شمال وجنوب نهر الليطاني لا يمكن قراءته كحركة عسكرية معزولة أو ظرفية، بل كجزء من نمط عملياتي واضح يعتمد على “تفريغ الأرض” قبل تثبيت وقائع ميدانية طويلة الأمد.
نحن أمام مشهد جغرافي مترابط تتداخل فيه ثلاثة أقضية أساسية: النبطية، بنت جبيل، وصور، مع امتداد محدود في مرجعيون. وهذا الامتداد ليس عشوائيًا، بل يشكل ما يمكن تسميته بـِ “حزام ضغط” يوازي الحدود ويتمدد تدريجيًا نحو العمق.
التوزيع الجغرافي للأهداف
تتوزع القرى المستهدفة على تضاريس متباينة لكنها مترابطة تكتيكيًا:
شمال الليطاني (النبطية – 25 قرية):
تمثل عمقًا لوجستيًا وبشريًا، وتُعد خط الإسناد الخلفي لأي نشاط مقاوم جنوبًا.
القطاع الأوسط (بنت جبيل – 16 قرية):
منطقة تلال مشرفة، تشكل عقدة مواصلات بين الداخل والحدود.
القطاع الغربي (صور – 15 قرية):
سهل ساحلي مفتوح نسبيًا، لكنه يحتوي على محاور تقدم تقليدية نحو العمق.
مرجعيون (قريتان):
تمثلان امتدادًا شرقيًا للضغط، يربط الجبهة بالقطاع الأوسط.
هذا التوزيع يوضح أن الاستهداف لا يركز فقط على خط الحدود، بل على طبقات جغرافية متتالية: من الخط الأمامي، إلى التلال، ثم إلى العمق.
تكتيك التفريغ القسري
الإنذارات التي طالت هذه القرى أدت إلى إخلائها شبه الكامل. ميدانيًا، هذا الإجراء يحقق عدة أهداف:
أولًا: إزالة العامل المدني، ما يفتح المجال أمام استخدام قوة نارية أعلى دون قيود.
ثانيًا: منع التمويه، إذ تسمح القرى المأهولة بالحركة أو الاختباء ضمن بيئة مدنية، بينما تتحول القرى الفارغة إلى مساحات مكشوفة.
ثالثًا: تهيئة مسرح العمليات، أي تحويل القرى إلى مناطق قابلة للسيطرة أو للرصد المستمر.
بمعنى آخر، التفريغ ليس نتيجة العمليات، بل شرط مسبق لها.
السيطرة على العقد الجغرافية
إذا دققنا في أسماء القرى، نلاحظ أنها ليست مجرد نقاط سكنية، بل مفاصل جغرافية حساسة.
في النبطية، تقع قرى مثل كفرتبنيت، حبوش، والنبطية الفوقا على شبكة طرق داخلية تربط الجنوب بالبقاع والداخل.
وفي بنت جبيل، تشرف قرى مثل تبنين، شقرا، وبرعشيت على مساحات واسعة وتتحكم بمحاور تقدم تاريخية.
أما في صور، فتقع القليلة، الحنية، ووادي جيلو على تماس مع محاور ساحلية مفتوحة.
وهذا يعني أن الهدف ليس احتلال قرى بحد ذاته، بل السيطرة على شبكة الحركة: الطرق، التلال، والممرات.
خط تماس جديد غير معلن
بالرغم من الحديث عن وقف إطلاق النار، فإن ما يجري على الأرض يوحي بمحاولة رسم خط تماس جديد، ليس بالضرورة عند الحدود الدولية، بل قد يمتد شمالًا ليشمل مناطق استراتيجية ومشرفة.
إخلاء أكثر من خمسين قرية يخلق فعليًا منطقة عازلة غير معلنة، حتى لو لم يتم الإعلان عنها رسميًا.
هذه المنطقة تحقق عدة أهداف:
تقليل قدرة أي طرف على الاقتراب من الحدود.
منح أفضلية في الرصد والاستهداف.
خلق واقع يصعب تغييره لاحقًا.
التقدم عبر الالتفاف لا الاقتحام
المعطيات الميدانية تشير إلى أن الأسلوب المستخدم لا يعتمد دائمًا على التقدم المباشر من الحدود، بل على:
الالتفاف عبر محاور داخلية.
الوصول إلى التلال أولًا.
ثم النزول نحو القرى.
هذا النمط يقلل الخسائر ويمنح أفضلية نارية، لأنه يعتمد على السيطرة من الأعلى بدل الاشتباك المباشر من الأسفل.
اللافت أن عددًا كبيرًا من القرى المستهدفة يقع شمال الليطاني، أي خارج ما كان يُعتبر تقليديًا منطقة الاشتباك المباشر.
وهذا يشير إلى:
توسيع نطاق العمليات.
نقل الضغط إلى العمق.
محاولة فصل الجنوب عن حاضنته الجغرافية.
بمعنىً آخر، المعركة لم تعد على الحدود فقط، بل على البيئة المحيطة بها.
الأهداف المحتملة
من خلال تجميع المعطيات، يمكن تلخيص الأهداف الميدانية المحتملة بما يلي:
إنشاء شريط أمني فعلي يمتد أعمق من السابق.
تدمير البنية التحتية القابلة للاستخدام العسكري داخل القرى.
فرض واقع جغرافي جديد يصعب التراجع عنه في أي مفاوضات لاحقة.
تحويل القرى إلى مناطق مراقبة مفتوحة بدلاً من بيئات معقدة.
نكبة جديدة في جبل عامل؟
المؤكد أنَّ إسرائيل ستخرج من جنوب لبنان يومًا ما، ولكن بأي ثمن؟ والمؤكد أيضًا أنَّ إعادة الإعمار تحتاج إلى سنوات طويلة، وأن كثيرًا من هذه القرى قد لا تعود كما كانت. فما جرى هناك لا يبدو مجرد عملية عسكرية مؤقتة، بل رسم لمسار مستقبلي واضح لهذه المنطقة، عنوانه عدم العودة إلى ما قبل الحرب، وبغطاء دولي وإقليمي معقد.
ما يحدث ليس مجرد رد فعل أو عملية محدودة، بل إعادة تشكيل للجنوب اللبناني جغرافيًا وأمنيًا.
فالقرى الـ 58 ليست مجرد أرقام، بل شبكة مترابطة من النقاط التي، عند تفريغها والسيطرة عليها، تتحول إلى حزام عازل… منصة رصد… وخط تماس جديد.
ومن هنا، فإن الجنوب وأهله يقفون أمام نكبة حقيقية قد يُطلق عليها “نكبة جبل عامل”، لأن حتى مع اندحار الاحتلال يومًا ما، فإن ما أصبحت عليه هذه المنطقة لا يشبه أي مرحلة سابقة.
















