الحل على الطريقة الأميركية: تثبيت الخط الأزرق خطاً للحدود

قبل بدء جلسات التفاوض المباشرة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن أمس، انسحبت قوات الجيش الإسرائيلي من مجرى نهر الليطاني عند وادي راج، في محيط بلدة زوطر الشرقية الواقعة على الضفة الشمالية للنهر، ليس استجابةً لطلب أميركي بالانسحاب بعد استعانة الحكومة اللبنانية بواشنطن، وليس نزولاً عند الطلب اللبناني بإقناع إسرائيل بوقف الاعتداءات قبل افتتاح جولات التفاوض، بل بعد أن أنجزت إسرائيل المهمة التي دخلت من أجلها.

التوغل “التفاوضي”

المهمة، وفق القراءة الإسرائيلية، تمثلت في الوصول إلى مجرى النهر والتقاط صور لجنود من لواء “غولاني” وهم يعبرون المياه بآلياتهم الثقيلة، قبل الانسحاب لاحقاً نحو المواقع الخلفية. وتؤكد معطيات “المدن” أنَّ اشتباكات دامية وقعت على ثلاث مراحل بين القوة الإسرائيلية المتقدمة ومقاتلين من المقاومة، على أكثر من محور في المنطقة نفسها.

ويُفهم من ذلك أن الغاية كانت تفاوضية في الأساس، أي الوصول إلى مجرى النهر واستخدام هذه الخطوة كورقة ضغط على الحكومة اللبنانية عشية جلسة واشنطن.

لكن ذلك، على أهميته، لا يعني أن إسرائيل لا تنوي التقدم نحو مناطق إضافية تقع على الضفة الأخرى للنهر. وبحسب معلومات “المدن”، حاولت قوات إسرائيلية عشية بدء جلسات التفاوض، التقدم باتجاه بلدة صربين في القطاع الأوسط، فيما كانت قوات أخرى تحاول التقدم نحو بلدة حداثا انطلاقاً من جارتها رشاف، حيث وقعت في كمين للمقاومة. وقبل أيام، حاولت قوات تابعة للفرقة 146 التقدم باتجاه بلدتي المنصوري ومجدل زون في القطاع الغربي، ومحاولة النزول نحو وادي زبقين.

ويكشف هذا النمط أن الجيش الإسرائيلي يعتمد سياسة استطلاع بري بالنار داخل المناطق الحرجية المفتوحة وعند سفوح التلال المشرفة على مناطق انتشاره، لا سيما قبالة بلدات القنطرة والطيبة ودير سريان في القطاع الشرقي. ويُعتقد أن المرتفعات الممتدة من الغندورية وفرون وقعقعية الجسر وصولاً إلى زوطر الشرقية والغربية لغاية يحمر وأرنون والشقيف، تُستخدم لإطلاق المسيّرات والصواريخ باتجاه القوات الإسرائيلية المتواجدة في هذه القرى. وفي الوقت نفسه، لا تخفي إسرائيل طموحها الأساسي المتمثل في توسيع الخطوط التي ترسمها داخل الأراضي اللبنانية، تنفيذاً لخطة الوزير السابق رون ديرمر التفاوضية، التي تمتد، بحسب التصور الإسرائيلي، حتى جنوب نهر الزهراني بعمق يقارب 30 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية.

وما دامت خطة ديرمر لم تُفرض بالكامل على الأرض، فإنَّ الجيش الإسرائيلي سيبقى في حالة مدٍّ وجزر، وسيواصل استهدافاته واحتلاله لبعض النقاط، فيما ستبقى وتيرة المفاوضات في واشنطن غير بناءة أو مشجعة، خصوصاً أن إسرائيل تستنسب في كل مرة موعد إطلاقها لتوسيع حملة القصف والتهجير لقرى لبنانية، وقد ضمت اليها أمس ست قرى إضافية في الجنوب والبقاع الغربي، فيما تسعى إلى تحويل جلسات التفاوض إلى منصةً لانتزاع تنازلات وحقوق من لبنان.

ترسيم الحدود: سلب لبنان حقوقه

يتجلى ذلك في الطرح الحالي المتعلق ببدء التفاوض على ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل، أو ما يُتداول في لبنان تحت عنوان “تثبيت الحدود”، بالرغم من أن هذا المسار يفترض، منطقياً وقانونياً، ألا يجري تحت الاحتلال وفي ظل وجود قوة أجنبية معادية تحتل أراضي لبنانية.

عملياً، تطرح إسرائيل، بدعم أميركي، بند ترسيم الحدود البرية بوصفه مقدمة لإنهاء ما تسميه “أسباب الحرب” بين لبنان وإسرائيل أو ما يمكن تسميته “الوصول إلى قرار إنهاء حالة الحرب”، وما يرافقه من تهيئة الأرضية لاتفاق أمني قد يسبق أي “اتفاق سلام”. لكن ما يغيب عن هذه المقاربة أن أسباب الصراع لا ترتبط فقط بالنزاع الحدودي، بل أيضاً بالنزعة التوسعية الإسرائيلية نفسها، ولا شيء يضمن تخلي إسرائيل عن هذه الدوافع بمجرد توقيع اتفاق، خصوصاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الراعي السياسي لمسار التفاوض الحالي، سبق أن قال قبل انتخابه إن إسرائيل “صغيرة الحجم” وبحاجة إلى توسيع حدودها.

كان لبنان قد فاوض إسرائيل بصورة غير مباشرة في أكثر من محطة حول ملف الحدود، أبرزها عام 2017، حين جرى التوصل إلى حلول لنحو سبع أو ثماني نقاط من أصل 13 نقطة متنازعاً عليها، تمتد من الناقورة غرباً، حيث تقع النقطة الأبرز “B1″، وصولاً إلى مزارع شبعا شرقاً. يومها، توقفت المفاوضات عند عتبة البحث في مصير النقطة B1، بعدما أصرت إسرائيل، التي تحتلها، على الاحتفاظ بها، في ما فُهم حينها على أنه محاولة للتأثير على أي ترسيم بحري مستقبلي.

واليوم، يعود لبنان إلى المعضلة التفاوضية نفسها، من دون أي مؤشر إلى استعداد إسرائيل للتنازل عن النقطة B1. وعلى الرغم من توقيع اتفاق الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية عام 2022، بقيت هذه النقطة محتلة، كما بقي خط الطفافات، أو ما يُعرف بالخط الرقم 1 الإسرائيلي، منطقة نزاع تحت السيطرة الإسرائيلية بموافقة لبنانية. وبعد حرب 2023، ارتفع عدد النقاط المحتلة بإضافة 5 مواقع عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، ليزداد أكثر بعد حرب 2026، مع توسع رقعة الاحتلال.

إسقاط بوليه – نيوكومب

ما تريده إسرائيل، بدعم مباشر من الولايات المتحدة، عبر طرح الترسيم البري اليوم، هو تجاوز الاتفاقية الوحيدة التي رُسمت بموجبها الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، أي اتفاقية “بوليه – نيوكومب” عام 1923، والتي أعيد تثبيت نهائية الحدود فيها عام 1949 بموجب اتفاقية الهدنة. وتسعى إسرائيل إلى نقل لبنان نحو اتفاقية جديدة تُشرعن عملياً المناطق التي تحتلها ضمن النقاط الـ13 المتنازع عليها، والبالغة مساحتها نحو 450 ألف متر مربع، وتسقط أي قيمة قانونية مستقبلية لمطالبات لبنان بأراضٍ محتلة مثل بلدة الغجر أو القرى السبع التي دمرها الاحتلال وحولها إلى مستعمرات.

وفي هذا السياق، تحاول الولايات المتحدة تسويق الخط الأزرق بوصفه أساساً مناسباً لترسيم الحدود الجديدة، مع احتمال إدخال تعديلات أو “تبادل أراضٍ” في بعض النقاط المحددة.، بوصف ذلك “حلاً شاملاً”.

نبوءة هوكشتين

في الواقع، فإن فكرة تحويل الخط الأزرق إلى حدود نهائية بين لبنان وإسرائيل ليست جديدة. فقد طرحها بوضوح المبعوث الأميركي السابق إلى لبنان آموس هوكشتين، خلال مشاركته في حفل العشاء السنوي لمجموعة “American Task Force for Lebanon” عام 2024 وهي مجموعة ضغط تضم رجال أعمال وشخصيات لبنانية مؤثرة في الولايات المتحدة. يومها، تحدث هوكشتين عن ضرورة إقامة حدود واضحة ونهائية بين لبنان وإسرائيل، معتبراً أنَّ القرار 1701 يعترف عملياً بالخط الأزرق، وأن المطلوب هو الاستفادة من الإعتراف بالخط المذكور وتحويله إلى خط حدودي دائم بين الجانبين.

عبدالله قمح

اترك تعليق