ماذا ينتظر الجيش في المسار الأمنيّ؟

كلّما طرأ تطوّر في المفاوضات المباشرة اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة ارتفعت نبرة اعتراض “الحزب” وتهديده أكثر. بعد تهويل أوّل من الوصول إليها بتأكيد رفضه لها على أنّها تنازل مجّانيّ، قال على أثر الجولتين الأولى والثانية إنّه غير معنيّ بنتائجها. ضاعف التخويف بعد الجولتين الثالثة والرابعة بالتحذير من جهوزه لمواجهة مَن يقترب من سلاحه، وإن كان الجيش اللبنانيّ، سيكون أداة أميركيّة. النبرة الأخيرة، حتّى الآن على الأقلّ، هي العليا حين توجّه نائبه حسن فضل الله، للمرّة الأولى، إلى الجيش كما لو أنّه يحسب في لحظة ما أنّه سيكون عدوّاً لـ”الحزب”، أو في أحسن الأحوال قد يجد نفسه وجهاً لوجه معه.

منذ تحدّث رئيس الجمهوريّة جوزف عون للمرّة الأولى عن تفاوض مع إسرائيل، في شباط الفائت، من غير أن يقول إنّه مباشر، بدأ افتراق “الحزب” عنه. بعد 2 آذار، حين انخرط في الحرب واتّخذ عون سلسلة مواقف ندّدت بتورّط “الحزب” وجرّ البلاد إلى حرب مع إسرائيل لا تريدها، وقعت القطيعة الكاملة بينهما. كلاهما لم ينحنِ للآخر تحت وطأة التصعيد المتبادل، على نحو بات من الصعب لأيّ منهما التراجع لوفرة تناقضهما في الرؤية والخيارات والخطاب والمواقف. بل إنّ كليهما لا يريد أن يفعل، ويذهب في الوجهة التي يفترض أنّه سيغلّبها على الآخر. جرّت القطيعة أثرها على علاقة رئيس الجمهوريّة برئيس البرلمان نبيه برّي، فتدنّى التواصل والاتّصالات بينهما إلى حدّ اقتصارها على مستشارَيهما علي حمدان وأندره رحّال.
كلّما طرأ تطوّر في المفاوضات المباشرة اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة ارتفعت نبرة اعتراض “الحزب” وتهديده أكثر

تباعد وقطيعة

أمّا غير المحسوب فهو انقطاع التواصل تماماً بين الجيش و”الحزب”، دون أن يكون ثمّة سبب لذلك. حتّى الأمس القريب، تصرّف “الحزب” على أنّه يحيّد المؤسّسة العسكريّة عن المواجهة السياسيّة مع رئيسَي الجمهوريّة والحكومة، ويشيد بما أعلنه مرّة تلو أخرى قائده العماد رودولف هيكل من أنّ الجيش لن يسمح بصدام مع “الحزب”، سواء للأسباب التي يقدّرها هو أو بفعل تعليمات حكومة الرئيس نوّاف سلام. الوصول الآن إلى نقطة التباعد مبعثه ما نتج عن الجولتين الثالثة والرابعة في مفاوضات واشنطن، التي أعلنت في 15 أيّار الاستعداد تباعاً لمسارَين أمنيّ وسياسيّ.

أمام المؤسّسة العسكريّة وقائدها بضع حقائق تجد نفسها معنيّة بها:

– أولاها أنّها معنيّة بقرار مجلس الوزراء في 2 آذار 2025 حصر السلاح في يد الدولة وبسط سيادتها على أراضيها كلّها، ومنها انبثقت تجربة انتشار الجيش جنوب نهر الليطاني تبعاً للقرار 1701 ووقف إطلاق النار المعلن في 27 تشرين الثاني 2024. في تقدير الجيش أنّ التجربة لم تفشل، وإن شابتها ثغر إسرائيليّة بسبب عدم الانسحاب من النقاط الخمس المحتلّة، وثغر أخرى تسبّب بها “الحزب” برفض تعاونه مع الجيش وإرشاده إلى مخابئ الأسلحة والأنفاق، والإصرار على رفض تفتيش البيوت، قبل التأكّد لاحقاً مع اندلاع الحرب أنّه أخفى فيها مستودعات أسلحة. ربّما أسطع دليل على رفض تعاونه آنذاك مقتل ستّة عسكريّين هم خبراء متفجّرات وجرح آخرين في انفجار مخزن خبّأه في وادي زبقين ـ مجدل زون في صور في 9 آب 2025، تبيّن فيما بعد أنّه كان مفخّخاً.

– ثانيتها هي أن لا هدنة قائمة ولا وقف للنار على نحو المعلن في الجولة الرابعة، وهو ما لا يجهله الجيش. وقف النار الممدّد للمرّة الثانية استكمال لوقف النار الأوّل في 27 تشرين الثاني 2024 الذي أطلق يد إسرائيل في التحرّك بحرّيّة داخل الأراضي اللبنانيّة. لم يعد وقف النار التالي في 17 نيسان ثمّ في 23 منه، وصولاً إلى ثالثهما في 15 أيّار، إلّا استكمالاً لحدود الاعتداءات الإسرائيليّة في لبنان. الضمان الأميركيّ المحكي عنه جزئيّ يقتصر على أهداف ثلاثة يقول الأميركيّون إنّهم انتزعوها من الإسرائيليّين: عدم قصف بيروت والضاحية الجنوبية وبنى الدولة اللبنانيّة ومنشآتها.
من الطبيعيّ أنّ المسار الأمنيّ سيكون من اختصاص العسكريّين بغطاء من السلطات الدستوريّة اللبنانيّة للتوصّل إلى ترتيبات أمنيّة عند جانبَي الحدود

مساعدات مشروطة؟

– ثالثتها أنّ معطيات أولى تتحدّث عن طلب إسرائيليّ لإنشاء غرفة عمليّات مشتركة لبنانيّة ـ إسرائيليّة لا ثالث فيها سوى الأميركيّين، دونما أن تكون توافرت لقيادة الجيش معطيات ملموسة عمّا يراد مناقشته في المسار الأمنيّ نهاية هذا الشهر. تتولّى هذه الغرفة الإشراف على مهمّة مزدوجة: تجريد “الحزب” من سلاحه توطئة لانسحاب الاحتلال. المقصود بغرفة العمليّات المشتركة إلغاء نهائيّ للجنة الميكانيزم السارية منذ إعلان وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، وطرد فرنسا والأمم المتّحدة منها كي تقتصر على الثلاثيّ، على أن يكون الأميركيّ وحده الوسيط. واقع ما حدث منذ 2 آذار أنّ “الميكانيزم” فقدت فعليّاً مبرّر وجودها بانهيار وقف النار المفترض أنّه سارٍ منذ تشرين الثاني 2024، فهي المعهود إليها مراقبة تطبيقه وحضّ الأطراف على احترامه، وهو ما لم يعد قائماً مذّاك.

– رابعتها الدور المنوط بالراعي الأميركيّ، المتمثّل في أن يكون شاهداً في غرفة العمليّات المشتركة، وهو ما لا يخفيه الجيش، ويعبّر من خلاله عن قلقه. لكن لا يقتصر على هذا الجانب إذا كان لا بدّ من الأخذ في الحسبان ما أدلى به قائد القيادة الوسطى الأميركيّة (سنتكوم) براد كوبر من ربط المساعدات الأميركيّة للجيش اللبنانيّ بالتقدّم الذي يحرزه في خطّة نزع سلاح “الحزب”. هو مطلب أميركيّ بمقدار ما هو إسرائيليّ، إلّا أنّه تحوُّل مهمّ ومستجدّ في موقف وزارة الدفاع الأميركيّة من الجيش اللبنانيّ. للمرّة الأولى تجهر بمثل هذا الربط، فيما على مرّ عقود من المساعدات العسكريّة الأميركيّة غالباً ما كانت هدفاً في ذاته لتعزيز قدرات الجيش وتقويته، وتمكينه من الاضطلاع بدوره في الداخل وحيال الإرهاب.

اترك تعليق