واشنطن فرضت التفاوض الأمني على الجيش

تتسابق حرب الإبادة الإسرائيلية، كما وصفها الرئيس نبيه بري، مع مساعي ربع الساعة الأخير لإعلان الاتفاق الأميركي- الإيراني المرحلي، فيما يُصعّد “الحزب” من وتيرة استهدافاته بالمسيّرات لمواقع الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، ومستوطنات الشمال، ويُوسّع مداها، ما دفع العدو الإسرائيلي إلى التهديد مجدداً باستهداف بيروت والضاحية الجنوبية، وتوسيع عملياته العسكرية في كل لبنان.

في الساعات الأخيرة شهدت الضاحية موجة إخلاءات تخوّفاً من احتمال تجدّد استهدافها، بعيد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن “تكثيف الضربات وزيادة قوتها”، مهدّداً بـ”سحق الحزب”، فيما ركّزت التسريبات الإسرائيلية على تشدّد إسرائيل، بغض النظر عن أي اتفاق يتمّ التوصّل إليه بين الأميركيين والإيرانيين، على إبقاء قواتها المحتلّة في جنوب لبنان، والحفاظ على حريّة حركتها برّاً وبحراً وجوّاً، والتأكيد على وجود غطاء أميركي كامل للجرائم الإسرائيلية المستمرة.

أدّت وتيرة التصعيد المتبادلة، ومحاولة التوغٌل الاسرائيلي شمال الخط الأصفر، على مسافة أيام قليلة من تدشين جولة التفاوض الأمني المباشر اللبناني-الإسرائيلي، ووسط مناخات متضاربة حيال قرب إقرار اتفاق واشنطن وطهران، إلى تراجع احتمالات التوصّل إلى وقف نهائي شامل لوقف إطلاق النار، إن بقوّة دفع مفاوضات إسلام آباد، أو بهمّة وفد التفاوض الأمني اللبناني.

اتصالات للجم التصعيد

دفع هذا الواقع قصر بعبدا إلى إجراء اتصالات مع مسؤولين أميركيين في محاولة للجم أي تصعيد قد تكون نتائجه كارثية، ويتزامن مع وصول الوفد العسكري اللبناني إلى واشنطن، الذي غادر بيروت أمس، تمهيداً للقاء الوفد العسكري الإسرائيلي في وزارة الدفاع الأميركية.

في هذا السياق، تخوّفت مرجعيات رئاسية من تقصّد إسرائيل التخريب على مفاوضات البنتاغون، أو الدفع لانعقادها تحت وطأة اشتداد الحرب، ما يُصعّب أكثر مسار التوصّل إلى وقف نهائي لإطلاق النار، وفَلش أوراق التفاوض الأمني.
اتّصالات لبنانية رئاسية بالأميركيين للجم التصعيد عشية التفاوض الأمني

رغم رفع إسرائيل وتيرة اعتداءاتها إلى الحدّ الأقصى، منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، وفق “المفهوم الإسرائيلي”، في 17 نيسان، فإنّ المفاوضات الأمنية ستعقد بناءً على الجدول المحدّد لها بعد غد الجمعة.

يقول مصدر مطلع لـ”أساس” إنّ “خطأ فادحاً ارتكبته السلطة بإقحام الجيش في التفاوض المباشر، فيما المهمّة يجب أن تبقى محصورة بالوفد السياسي، الذي يُمكن تطعيمه بالعسكر، وعلى أن يكون الجيش، في خلفية، و”بظَهر”، الجبهة السياسية المفاوِضة، حيث يزوّد السلطة السياسية بالتوضيحات والمعطيات والخرائط والأرقام اللازمة”.

يؤكّد المصدر أنّ “لجنة التنسيق اللبناني- الإسرائيلي العسكرية، والترتيبات الأمنية، يفترض أن تكونا نتيجة للتفاوض السياسي، وليس كاسحة الألغام له”، مشيراً إلى أنّ “خيار التفاوض المباشر فُرِض أميركياً على القيادة العسكرية، وبالتنسيق المباشر مع رئيس الجمهورية، تمّ اختيار ضبّاط اختصاص في الوفد على قاعدة التوزيع الطائفي، كما طلب الرئيس جوزف عون. لكن هؤلاء سيجدون أنفسهم، مرغمين، على تقديم توضيحات في شأن مصير سلاح “الحزب”، ردّاً على مطلب بدء الانسحاب الإسرائيلي، فيما هي مهمّة ملقاة على عاتق الحكومة، وليس العسكر، لا سيما بعد إصرارها على فصل المسار اللبناني-الإسرائيلي عن المفاوضات الاميركية-الإيرانية”.

المأزق السياسي

لا يوازي المأزق العسكري، وانسداد سبل توقيف آلة الموت الإسرائيلية سوى المأزق السياسي الداخلي الآخذ بالتمدّد، خصوصاً أنّ أوساطاً رئاسية قرأت في تلويح أمين عام “الحزب” الشيخ نعيم قاسم بورقة الشارع “انقلاباً” على تعهّد 11 نيسان حين أصدر “الحزب” وحركة “أمل” بياناً مشتركاً دعيا فيه “إلى عدم التظاهر في هذه المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها البلد، حرصاً من القيادتين على الاستقرار وحماية السلم الأهلي وعدم الانجرار إلى أيّ انقسام يريده العدوّ الإسرائيليّ”.

في الساعات الماضية حرصت بعض أوساط “الحزب” على القول إن رسالة الشيخ قاسم هي “تحذيرية، خصوصاً بعد محاولات حكومية متعدّدة داخل مجلس الوزراء للدفع باتّجاه أخذ القرار بحظر مؤسّسات القرض الحسن”.
يقول مصدر مطلع لـ”أساس” إنّ خطأ فادحاً ارتكبته السلطة بإقحام الجيش في التفاوض المباشر

بيان تأكيد الثوابت

لكن بعيد ساعات من خطاب قاسم، أصدر “الحزب” بياناً في ذكرى مئوية الدستور اللبناني، حدّد فيه مسلّماته في مرحلة الحرب وما بعدها، رافعاً السقف إلى حدّه الأقصى، وكمن يحجر موقعاً متقدّماً له على خارطة التوازنات، التي ستفرزها تطوّرات الميدان واتفاقات التسوية:

-رسالة مباشرة إلى السلطة: “لا يمكن لأي قرار سياسي أو حكومي أن يسلب حقنا الطبيعي في الدفاع عن الأرض، ولا أن ينزع المشروعية عن مقاومة الاحتلال”.

اترك تعليق