في وقت مضت تل أبيب في تكثيف ضرباتها في جنوب لبنان امتداداً الى البقاع وسط تركيزٍ ميداني على بلوغ تلال علي الطاهر الاستراتيجية والحاكمة (تقع شرق مدينة النبطية) وصولاً لإعلان الجيش الإسرائيلي السّيطرة العملياتيّة على منطقة شمال وادي السلوقي (القطاع الأوسط في جنوب لبنان) القريب لوادي الحجير الذي اشتهر بلقبِ «مقبرة الميركافا»، استوقف أوساطاً سياسية تحييدُ إيران لاسرائيل حتى الساعة عن «الانتقامِ» من «صعقات ترامب» الليلية «اليومية»، معتبرة أن هذا ينمّ عن رغبةٍ في تَفادي الضغطِ على زرِّ حربٍ شاملة جديدة تَحرق جسورَ المفاوضات مع واشنطن.
وفي موازاة تثبيت الرئيس جوزاف عون، استعادة «السيادة» على التموضعات الإستراتيجية للوطن الصغير بتأكيده الاستمرار بخيار التفاوض ورفض «الانسحابِ منه»، تمت قراءة الانفراجة التي طال انتظارُها على خطّ علاقة «بلاد الأرز» مع السعودية التي أعادت فتْح أسواقها في وجه الصادرات اللبنانية بعد نحو 5 أعوام من المنع، على أنها في سياقِ ملاقاة لبنان بمسار استرداده لقراره وإمساكه بمرافقه البرية والبحرية والجوية وتخفيفِ قبضةِ «حزب الله» التي أتاحت تحويل الدولة «منصة للإضرار بأشقائه» بشحنات الكبتاغون «الملغومة».
وحرصت وزارة الخارجية السعودية في بيان زفّت فيه الى لبنان توجيه ولي العهد رئيس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، باستئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة بناء على طلب عون ورئيس الحكومة نواف سلام، على تظهير الأبعاد ما فوق اقتصادية لهذا الحَدَث والتي تشابك فيها العامل الأمني مع السياسي ليتحوّل مَسارُ حَصْرِ السلاح بيد الدولة، ولو لم يصل بعد إلى خواتيمه، ورفع بيروت شعار «لا أحد يفاوض عنا»، بمثابة «عملة سياسية» بدأت تدرّ على «لبنان الجديد» عوائد أبعد من الاقتصاد وتُطلّ على عودة الخليج الى «بلاد الأرز» بعد رجوع الأخيرة إليها، منذ انتخاب عون، وسط اعتقادٍ ايضاً أن من شأن المزيدِ من التحفيز الاقتصادي للوطن الصغير أن يشكّل أداةَ ضغطٍ إضافية على «حزب الله» من خارج المعادلة الأمنية البحت.
وقد تضمّن بيان الخارجية، أن الوزير الأمير فيصل بن فرحان، اتصل الأربعاء بسلام ونقل إليه توجيه محمد بن سلمان باستئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة، موضحاً ان ذلك جاء «بناء على طلب الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء، ووفقاً للخطوات الإيجابية التي قامت بها الحكومة اللبنانية في طريق إعادة بناء مؤسسات الدولة، وما أنجزتْه الفرق المختصة طوال العام الماضي، وما أبداه الجانب اللبناني من تعاون معها وتقديمه التعهدات المطلوبة».
وأكد «دعم المملكة لاستقرار لبنان وسيادته على كامل أراضيه ورفاهية شعبه الشقيق، وثقته باتخاذ الأشقاء في لبنان جميع التدابير اللازمة لضمان عدم استخدام لبنان كمنصة للإضرار بأشقائه».
وفيما أعرب عون عن «بالغ امتنانه وتقديره لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، على قراره»، معتبراً أنه «تعبير صادق عن عمق الأخوة العربية التي تجمع البلدين الشقيقين، وتجسيداً لحرص القيادة السعودية الرشيدة على دعم لبنان وشعبه في مرحلة النهوض والتعافي التي يخوضها»، أكد سلام «ان هذا القرار يجسّد ثقة المملكة بلبنان والحرص المشترك على تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بما يخدم مصالح الشعبين، كما يُشكّل خطوة مهمة من شأنها دعم الاقتصاد اللبناني وفتح آفاق جديدة أمام المنتجين والمصدّرين اللبنانيين».
وغداة هذا التطور بدأ المبعوث السعودي الأمير يزيد بن فرحان زيارة لبيروت، أفيد أنها تهدف إلى دعم المؤسسات الشرعية وسيادة لبنان ووحدة أراضيه ورفاهية شعبه ومسار الإصلاح.
وإذ عُلم أن يزيد بن فرحان، التقى رئيس البرلمان نبيه بري مطوّلاً، بدا من الصعب ايضاً فصل محطة الموفد السعودي في بيروت عن وقوف لبنان «بين ناريْ»، ايران – عبر حزب الله – التي نصّبتْ نفسها وغَصْباً عن الدولة اللبنانية «حاميةً» مزعومة لها بوجه اسرائيل، وتل أبيب التي تستمرّ في قضم المزيد من الأراضي جنوباً، من فوق المضامين حمّالة الأوجه لـ «إعلان واشنطن» الأربعاء الماضي والذي تزداد الإشارات الى أنه استولد معركة مكتومة ليس على «الانسحاب من جنوب الليطاني» (لكل من اسرائيل والحزب) بل على «السيادة شمال الليطاني» وكيفية ضمانِ سَحْبِ سلاح الحزب فيه. وفي هذا الإطار توضع الضربات المكثفة من اسرائيل التي ترفض الاعتراف بحدود الليطاني كخطّ نهاية للحرب، وسط تحوّل سيناريو «المناطق التجريبية»، وهو الاسم الحَرَكي للانسحاب التدريجي لتل أبيب، أداةً اسرائيلية لإطالة أمد التماس وإيرانية (حزب الله) لتبرير إبقاء الجنوب ساحة ملتهبة على نار «الجبهة الأم».
















