من تلال عليّ الطاهر في جنوبيّ لبنان إلى مطار “أبو الظهور” العسكريّ في سوريا، تتعدّد رسائل إسرائيل في تغوّلها على الجبهتين اللبنانيّة والسوريّة. منذ البداية يتعاطى بنيامين نتنياهو مع الجبهتين على أنّهما واحدة فأقام جيشه فيهما حزاماً أمنيّاً يسعى إلى وصل بعضه ببعض جغرافيّاً.
لبنانيّاً يستنجد الرئيس جوزف عون بـ”الدبلوماسيّة الصامتة” للفاتيكان لتجنّب تسبّب إسرائيل بموجة قتال جديدة تعيد تهجير من عادوا من نازحي الجنوب. ودمشق حيلتها الوحيدة اللجوء إلى إدارة دونالد ترامب من أجل درء تصعيد صراعها مع تركيا على بلاد الشام. وظهيرها في واشنطن أنقرة. لكنّ الأخيرة دخلت على المسرح اللبنانيّ بحوار مع “الحزب” ناصحة إيّاه ودمشق بانفتاح بعضهما على بعض.
يتصرّف نتنياهو على أنّ سيطرة جيشه على تلال عليّ الطاهر تكسر عناد طهران على إبقاء ذراعها الأهمّ في المنطقة، “الحزب”، عصيّاً على الهزيمة على الرغم من كلّ الخسائر. لذلك رفض “الحزب” باسمها عرض الانسحاب من التلال كي يتولّاها الجيش اللبنانيّ.
بالمقابل يتوجّس الجيش الإسرائيليّ من أنّ استئناف الحرب الأميركيّة ضدّ طهران، إذا أعاد دونالد ترامب النظر في الاكتفاء بالحصار الاقتصاديّ، سيدفع “حرس الثورة” إلى استخدام صواريخ “الحزب” ضدّها. ويبرّر نتنياهو عداءه للدور التركيّ بأنّه يعمل على ضرب “الإرهاب الشيعيّ” وسينتقل لضرب “الإرهاب السنّيّ” متّهماً أنقرة بدعمه. وربّما التنقّل الإسرائيليّ بين جبهتَي لبنان وسوريا يندرج تحت بند حاجة نتنياهو الانتخابيّة إلى انتصارات ليتحوّل “إله حرب” وينتخبه الإسرائيليّون.
في سوريا، لا قيمة عسكريّة كبرى لما أنجزه الجانب السوريّ في مطار “أبو الظهور”. تفيد معلومات “أساس” من دمشق أنّه جرت إعادة تأهيل مدارج المطار، بالتوازي مع إصلاح ما بقي من طائرات “ميغ” الحربيّة الروسيّة القديمة، التي تعدّ على أصابع اليد، والتي كانت دمّرت إسرائيل أكثرها بعد سقوط بشّار الأسد وهربه إلى موسكو، علاوة على قصفها المدارج، بعد الثامن من كانون الأوّل 2024.
ينفي العارفون ما أشاعته تل أبيب عن وجود عسكريين أتراك في المطار عند قصفه
التّضخيم الإسرائيليّ للتصويب على تركيا
ضخّمت إسرائيل الأسباب العسكريّة والسياسيّة لضربة المطار، كالعادة. رئيس “الموساد” رومان غوفمان اتّصل بوزير الخارجيّة السوريّ أسعد الشيباني لإبلاغه بوجود تركيّ في المطار، نفاه الأخير ثمّ أكّد أنّ المطار كان شبه خالٍ عند قصفه. ولفت إلى أنّ ضبّاطاً عسكريّين أتراكاً زاروا القاعدة قبل أيّام عدّة من الضربة الإسرائيليّة، لكنّه شدّد على أنّ الزيارة جاءت في إطار التعاون العسكريّ المستمرّ في مجالات التدريب وتبادل الخبرات، ولم تكن تمهيداً لإقامة قاعدة تركيّة. وهي على مسافة لا تتجاوز سبعين كيلومتراً من الحدود مع تركيا.
لكنّ بنيامين نتنياهو قال: “أوضحنا أنّنا لن نتسامح مع وجود عسكريّ تركيّ في سوريا، ويبدو أنّهم لم يسمعونا جيّداً، فحرصنا على أن يفهموا بشكل أفضل”. وكرّت سبحة التصريحات الإسرائيليّة ضدّ الدور التركيّ.
تركيا
ينفي العارفون ما أشاعته تل أبيب عن وجود عسكريين أتراك في المطار عند قصفه. ما حصل بعد تأهيل إحدى طائرات الـ”ميغ” القديمة، وتزفيت المدارج، تمت تجربة إحداها من طيار سوري.
ضوء أخضر أميركيّ؟
في وقت سارعت دمشق إلى تكثيف اتّصالاتها مع واشنطن لتدارك التصعيد الإسرائيليّ الذي صوّب نحو النفوذ التركيّ في سوريا، برز سؤال عمّا إذا كان الجانب الأميركيّ قد أعطى ضوءاً أخضر لتل أبيب لتنفيذ العمليّة، مثلما تردّد في شأن تلال عليّ الطاهر أيضاً. قال دونالد ترامب صراحة إنّه يعرف التفاصيل (بشأن المطار) ولا يريد التحدّث في الأمر. المبعوث الأميركيّ إلى دمشق توم بارّاك اكتفى بالقول إنّها “لم تكن ضروريّة”، ولم ينتقدها. لكنّه سفيراً لبلاده في أنقرة حذّر من “مواجهة عسكريّة مباشرة بين إسرائيل وتركيا”.
تسعى تل أبيب إلى ضرب نفوذ تركيا المتمسّكة بوحدة سوريا، حفظاً لأمنها القوميّ
في الأجوبة المحتملة عن موقف واشنطن يمكن ذكر الآتي:
1- في موسم تبادل الخدمات بين ترامب ونتنياهو قبيل الانتخابات في كلّ من إسرائيل وأميركا، يتساهل الجانب الأميركيّ مع الأخير كما يجري في كلّ من غزّة ولبنان وإيران، سواء في الخطوات العسكريّة أو خفض التصعيد والتهدئة… وغضّ النظر الأميركيّ عن ضربة “أبو الظهور” ربّما يكون تعويضاً عن استجابة إسرائيليّة للامتناع عن التصعيد في ميادين أخرى.
2- جاءت الضربة بعد أيّام على اتّفاق دمشق وموسكو في التاسع من آب الجاري على تنظيم وجود القاعدتين العسكريّتين الروسيّتين في حميميم وطرطوس بحيث تتحوّلان إلى مركزين لتدريب الجيش السوريّ قيد البناء. وهذا لا يروق لتل أبيب ولا لواشنطن لأنّه يحفظ لموسكو وجودها على ضفاف البحر الأبيض المتوسّط، على الرغم من أنّه ينهي وجودها العسكريّ وعتاده الثقيل والجوّيّ في بلاد الشام.
إسرائيل للتّقسيم وأنقرة ترعى التّوحيد
يذكِّر مراقبون في دمشق بثوابت المخطّط الإسرائيليّ الخبيث حيال بلاد الشام. هدف نتنياهو الاستراتيجيّ تقسيم وشرذمة سوريا العربية. لا يكتفي نتنياهو باستثمار أجهزته في أخطاء بعض الفصائل الموالية للحكم الجديد، في التعاطي مع أزمة جبل العرب ومحافظة السويداء، واستقطابه لفصيل درزيّ يساعده على التوغّل الذي يشمل منطقة القنيطرة ومحافظة درعا، بل ينشط استخباريّاً في الساحل السوريّ وصولاً إلى المنطقة الكرديّة في الشمال. تسعى تل أبيب إلى ضرب نفوذ تركيا المتمسّكة بوحدة سوريا، حفظاً لأمنها القوميّ.
















