مع الارتفاع العالمي لأسعار النفط وتداخل آليات تحديد أسعار المشتقات النفطية التي يستهلكها المواطن، تتقارب أسعار البنزين والمازوت في لبنان. ومع تخطّي الأسعار حاجز الـ 30 دولاراً للصفيحة، سواء للمازوت أو البنزين، وفي ظل غياب أي تحرّك رسمي يخفّف الضغط عن جيوب الناس، يصبح من الضروري التساؤل عن كيفية احتساب الأسعار، وكم يربح كل طرف من أطراف عملية إيصال المحروقات إلى المواطنين والمؤسسات. وبشكل أساسي، كم يربح المستوردون، وكم تأخذ الدولة تحت مظلّة الضرائب والرسوم؟.
جدول تركيب الأسعار
يصل السعر النهائي لصفيحة البنزين أو المازوت إلى المستهلك، بناءً على جدول تركيب أسعار المحروقات، الذي تصدره المديرية العامة للنفط، في وزارة الطاقة، والتي توضح بأنَّ “السعر يُحَدَّد عبر احتساب المعدّل الأسبوعي للأسعار العالمية للمشتقات النفطية وفق نشرات المنصّات العالمية Platts التي تتضمّن عناصر متغيّرة تشكّل أكثر من 70 بالمئة من ثمن البضاعة، ومن بينها كلفة البضاعة من بلد المنشأ إلى الأراضي اللبنانية، من نقل بحري، تأمين، مصاريف مصرفية، ربح وغيرها. ويضاف إلى هذه العناصر رسوم وضرائب للدولة وعمولات التوزيع وأكلاف الصهاريج وأرباح المحطات، وهي عناصر ثابتة محدّدة بالليرة”.
وبقراءة تفاصيل الجدول الذي يصدر يوميّ الثلاثاء والجمعة من كل أسبوع، يظهر أنّ السعر الذي يدفعه المستهلك لكل صفيحة، يتضمّن “ثمن البضاعة للمستورد” والرسوم والضريبة على القيمة المضافة TVA، إلى جانب عمولة للموزّعين وأخرى لصاحب المحطة.
وبالأرقام، فإنّ مقارنة سعر الطن (كيلوليتر) مع السعر النهائي للصفيحة (نحو 31 دولار) يعني أنَّ نحو 21 دولار هي ثمن البضاعة للمستورد، أي نحو 67.7 بالمئة من قيمة الصفيحة. ويضاف إليها نحو 6.70 دولار هو ما تحصل عليه الدولة من سعر الصفيحة بواسطة الرسوم والـ TVA والتي يشكّل مجموعها نحو 21.6 بالمئة من قيمة الصفيحة، إلى جانب 0.31 دولار للموزع و2 دولار كجعالة لصاحب المحطة.
وعليه، فإن جدول تركيب الأسعار يظهر أنَّ الدولة والمستوردين يحصلون على حصة الأسد من سعر الصفيحة. لكن المستوردين يوضحون أنَّ ما يحصلون عليه لا يعني ربحاً صافياً. فأسعار النفط عالمياً تمتصّ الجزء الأكبر من الأكلاف.
عنوان فضفاض
بطبيعة الحال، إنَّ “ثمن البضاعة للمستورد” الذي يتضمّنه جدول تركيب الأسعار، لا يعني الربح الصافي للمستوردين. لكن هذا العنوان لا يزال فضفاضاً جداً، إذ لا يحدّد تفاصيل الأكلاف التي دفعها المستورد، بدءاً من سعر المحروقات إلى تكاليف الشحن والتأمين وغير ذلك.
كما أنَّ المستوردين، يحيلون تحديد الأسعار، إلى المنصات، ويتم احتساب السعر المعتمد في جدول تركيب الأسعار، بناءً على متوسّط الأسعار المعروضة على المنصّات خلال 15 يوماً مقسّمة بين قبل وبعد تحديد سعر النفط عالمياً. وبتعبير أبسط، لا يعتمد الجدول سعر الصفيحة بناءً على السعر المسجّل على المنصّات بتاريخ “اليوم”، إنما يتم احتساب معدّل وسطي للأسعار المسجّلة على مدى أيام قبل وأيام بعد.
ومن هنا، تصبح الحكاية أعقد وأكثر غموضاً. فاحتساب سعر الصفيحة النهائي للمستهلك، يتم عبر سلسلة أسعار بعيدة عن السعر المطلوب في يوم محدّد. ثانياً، لا يبيِّن عنوان “ثمن البضاعة”، عن ثمن أي شحنة بضاعة بالتحديد نتحدّث في جدول تركيب الأسعار الصادر في يوم محدّد بعيد عن اليوم الذي وصلت فيه الشحنة إلى لبنان وأفرِغَت في المرفأ.
ثالثاً، لا يظهر العنوان أيضاً بلد المنشأ للمحروقات المستورَدة. ومعرفة بلد المنشأ ليس تفصيلاً بسيطة، بل أمر جوهري يقلب الأسعار رأساً على عقب. فإذا كان المصدر بلداً يخضع لعقوبات أميركية على سبيل المثال، فإنّ ثمن المحروقات سيكون منخفضاً جداً مقارنة مع محروقات من بلد لا يخضع للعقوبات. وقيمة هذه المحروقات ستكون حكماً أقل بكثير من قيمة المحروقات المسجّلة على المنصّات العالمية. فكيف تضع المديرية العامة للنفط، سعر محروقات استناداً إلى منصة عالمية، فيما قد تكون قيمة المحروقات الفعلية أقل بكثير؟. ومَن يضمن صحّة التأكّد من بلد المنشأ، ناهيك عن جودة المحروقات؟. فهي عوامل مؤثّرة بالسعر. رابعاً، مَن يحدّد أكلاف الشحن والتأمين ومَن يدقّق في صحّة الكشوفات؟.
في الوقت عينه، قال رئيس تجمّع الشركات المستوردة للنفط، مارون شمّاس، في حديث لـِ “المدن” إنَّ “وزارة الطاقة تحدّد السعر وتلتزم به الشركات التي تشتري البضاعة. وحدّدت الوزارة هامش ربح الشركات بـِ 5 بالمئة من قيمة الصفيحة قبل احتساب المصاريف والأكلاف التي تتضمّن التأمين والإيجارات والرواتب والكهرباء وغير ذلك، ليبقى منها بعد الاحتساب، نحو 1.5 بالمئة، أي حوالي 50 سنت في كل صفيحة بنزين أو مازوت”. وأكّد شمّاس أنّ “الدولة تأخذ الحصة الأكبر من الصفيحة، عبر الرسوم والضرائب”.
بدوره، لا يستسيغ الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين، ما يعرضه جدول تركيب أسعار المحروقات، خصوصاً لناحية أرباح الشركات المستوردة، التي “تبقى لغزاً مخفياً”. وفي حديث لـِ “المدن”، قدَّر شمس الدين أرباح الشركات بما “لا يقل عن 6 إلى 7 دولار في كل صفيحة”. وبرأيه تبقى هذه الأرباح “محمية بالبدعة المسمّاة جدول تركيب الأسعار الذي لا يستند إلى سعر النفط بل إلى سعر المنصّات وبطريقة احتساب متوسّط الأسعار على مدى 15 يوماً، وهذا ما يضيّع الأسعار الفعلية للشحنات التي تشتريها الشركات”.
ولأنّ جوهر آلية احتساب الأكلاف والأرباح ليس بريئاً، لفت شمس الدين النظر إلى أنّه “في لبنان نحو 12 شركة استيراد محروقات، لكن نحو 5 شركات فقط تتحكّم في السوق وتستورد الكميات الأكبر. وبدل التنافس بينها لتحقيق أسعار أرخص وأفضل، تشتري الشركات شحنات مشتركة، لتكسب جميعها السعر الأدنى، وتحقّق أرباحاً أعلى”.
حماية المواطنين
في الظروف الاستثنائية، تسعى الحكومات إلى حماية مواطنيها من آثار الارتفاعات الحادة للأسعار في مختلف القطاعات، وعلى رأسها قطاع الطاقة الذي يتضمّن المحروقات. فأسعارها تؤثّر على دورة الإنتاج، وليس فقط على انتقال الأفراد. وبحسب جدول تركيب أسعار المحروقات وما تأخذه الدولة بضرائبها ورسومها، وما يُخفى تحت عناوين فضفاضة، يبدو أنّ الدولة اللبنانية بعيدة من خيار تخفيف وطأة الارتفاع العالمي لأسعار النفط. بل على العكس، تريد الاستفادة من الارتفاع، لتحصيل المزيد من الإيرادات على شكل ضرائب ورسوم. وهي التي اجترحت معجزة زيادة 300 ألف ليرة على كل صفيحة بنزين، لتمويل زيادة رواتب موظفي ومتقاعدي القطاع العام.
وأمام توزيع الأكلاف والأرباح الظاهرة والمخفية في كل صفيحة بنزين أو مازوت، يصبح من الضرورة لفت النظر إلى أنّ معضلة أسعار المحروقات لا تقف فقط عند ارتفاع الأسعار، بل تتعدّى ذلك وصولاً إلى تأثير أسعار المحروقات على رواتب الموظفين والمتقاعدين في القطاعين العام والخاص. كما أنّ المواطن يحمل عبء أسعار المحروقات مرّتين، الأولى بشكل مباشر من خلال تعبئة البنزين في السيارة، والثانية بكشل غير مباشر عبر ارتفاع أسعار السلع والخدمات ربطاً بارتفاع كلفة الإنتاج التي تشكّل المحروقات ركناً أساسياً فيها. وعندما تشكّل قيمة الرسوم والضرائب وأرباح المستوردين أكثر من نصف سعر صفيحة البنزين والمازوت، وفي ظل غياب أي شكل من أشكال الدعم من الدولة، يصبح من الواضح أنّ الدولة تخلّت عن مواطنيها، وباتت تراهم وسائل لتعزيز قدرتها المالية ولحماية نفسها، في حين أن العكس هو المطلوب.
















