تقصير أم تمديد جديد لمجلس النّوّاب؟

في غمرة العواصف التي تَلفح الداخل تصدّر العنوان الانتخابيّ المشهد من زاويتين: اقتراح القانون الذي تقدّمت به “القوّات اللبنانيّة” لتقصير ولاية مجلس النوّاب، والانتخابات الفرعيّة في البقاع الغربيّ، التي فاجأ رئيس الجمهوريّة جوزف عون في جلسة الحكومة الأخيرة بتأكيده ضرورة إجرائها لملء الشغور في المقعد الأرثوذكسيّ بعد وفاة النائب غسّان سكاف.

أتت دعوة الرئيس عون لإجراء الانتخابات الفرعيّة في البقاع الغربيّ، بتنسيق مع رئيسَي مجلس النوّاب والحكومة، بعد أيّام قليلة من تقديم “القوّات” اقتراح قانون لتقصير ولاية مجلس النوّاب لتجري الانتخابات في أيّار 2027 بدلاً من أيّار 2028، كما نصّ قانون التمديد.

لهذا التأخير في الإعلان عن ملء الشغور في مقعد البقاع الغربيّ، بعد وفاة النائب سكاف في 13 كانون الأوّل الماضي، أسبابه الموجبة. فالمادّة 41 من الدستور اللبنانيّ تنصّ على الآتي: “إذا خلا مقعد فإنّه وجب الشروع في انتخاب الخلَف خلال شهرين. ولا يُنتخب خلَف إذا وقع الشغور قبل انتهاء الولاية بأقلّ من ستّة أشهر”. ولأنّ احتمال إجراء الانتخابات النيابيّة في أيّار الماضي كان قائماً، جرى صرف النظر عن الانتخاب الفرعيّ.

بعد إقرار التمديد جرى صرف النظر مرّة أخرى عن الموضوع ربطاً بالأوضاع الأمنيّة والعسكريّة جرّاء الحرب، إلى أن حصل التوافق الرئاسيّ على ملء الشغور في البقاع الغربيّ، ما فتح المجال أمام الداعين إلى إجراء الانتخابات النيابيّة العامّة لاعتبار أنّ الظرف الأمنيّ الذي يسمح بإجراء انتخاب فرعيّ يسمح أيضاً بإجراء انتخابات عامّة في كلّ المناطق، باستثناء الجنوب.
يقول نائب بارز في هذا السياق لـ”أساس”: أكاد أجزم أنّ التمديد لمجلس النوّاب الصيف الفائت، لم يكن فقط لتعذّر حصول الانتخابات

رسالة إلى الحكومة؟

لكنّ مصادر سياسيّة مطّلعة تقول لـ”أساس”: “في المبدأ، وبالمنطق السياسيّ، ليس هناك أيّ نائب اليوم أو كتلة برلمانيّة تؤيّد ضمنيّاً إجراء الانتخابات الصيف المقبل عبر تقصير ولاية مجلس النوّاب، وذلك لأسباب مصلحيّة محض تخصّ التمسّك بالستاتيكو القائم. أمّا في ما يخصّ “القوّات اللبنانيّة” التي تؤيّد تقصير الولاية فهي تفعل ذلك من ضمن رسائلها المتكرّرة إلى السلطة القائمة والحكومة، وضمن سياق ما دأب الرؤساء الثلاثة ووزراء ونوّاب على تكراره في مجالسهم من اتّهام “القوّات” بـ”الشعبويّة الزائدة على حدّها”.

في هذا السياق، يبرز ما قاله رئيس كتلة “الجمهوريّة القويّة” النائب جورج عدوان حول “الحاجة الماسّة إلى التجديد في السلطة”، مضيفاً: “لقد قصّرنا المدّة لإجراء انتخابات تكون الطروحات الأساسيّة فيها مبنيّة على الخيارات، ولتنشأ أكثريّة يقرّر اللبنانيّون من خلالها ماذا يريدون: هل يريدون أن نبقى في الوضع الذي نحن فيه؟ هل يريدون أن يبقى هذا التفلّت؟ وهل نريد أن يبقى الوضع الاقتصاديّ على كفّ عفريت لأنّه لا يوجد استقرار؟”.

مجلس النوّاب

ترى المصادر أنّ “رسائل “القوّات” تستهدف الحكومة قبل أن تستهدف تركيبة مجلس النوّاب الحاليّ الذي لا يملك فيه أصلاً محور الثنائيّ الشيعيّ وحلفائه الأكثريّة. فإجراء الانتخابات النيابيّة يعني تلقائيّاً اعتبار حكومة نوّاف سلام مستقيلة وتحوّلها إلى حكومة تصريف أعمال بعد إعلان النتائج، وهي الحكومة التي تشهد راهناً اعتكاف وزير “القوّات” جو الصدّي عن حضور الجلسات، وقد لوّح رئيس الحزب سمير جعجع أخيراً بأنّه قد “ينزل من مركبها إذا تبيّن أنّه “مش طالع من أمرها شي”. واليوم يقاطع وزراء “القوات” جلسة مجلس الوزراء اعتراضاً على عدم إحالة ملفٌ متفجرٌات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، بعد انسحابهم منها الأسبوع الماضي للسبب نفسه، واعتراضاً أيضاً على عدم معالجة الحكومة ملفٌ الكهرباء.

“طمر” الاقتراح

يَطلب اقتراح القانون المُقدّم من “القوّات” “اعتبار الكتاب بمنزلة مذكّرة العجلة، على أن يُدرَج على جدول أعمال أوّل جلسة تشريعيّة سنداً لأحكام المادّة 101 من النظام الداخليّ لمجلس النوّاب”. لكنّ أوساطاً نيابيّة تؤكّد لـ”أساس” أنّ “الرئيس برّي سيحيل اقتراح القانون إلى اللجان النيابيّة، ولن يأخذ طريقه إلى جدول أعمال أيّ جلسة تشريعيّة في المرحلة المقبلة”.
وفق المعلومات، ثمّة توافق رئاسيّ على عدم السير بخيار تقصير الولاية، على قاعدة “ما حدن باله بالانتخابات”، على حدّ تعبير أحد النوّاب

يعلّق أحد النوّاب قائلاً: “في ظلّ الظرف الراهن لا أحد يتوقّع أن يخرج الاقتراح من اللجان، والأرجح طمره هناك”، مشيراً إلى أنّ “هناك معركة أكبر في مجلس النوّاب اليوم، وهي معركة تعديل قانون الانتخاب، وحتّى الآن عُقدت جلستان منذ بداية الشهر الحاليّ للّجنة الفرعيّة حول درس قوانين الانتخاب. لكنّ الأمر أقرب إلى ربط نزاع، و”صيانة” النقاش حول ورقة أساسيّة قد يضعها الرئيس برّي، أو الثنائيّ الشيعيّ، على الطاولة حين يحين الوقت المناسب، خصوصاً لجهة تطبيق اتّفاق الطائف، باستحداث مجلس شيوخ وانتخاب مجلس نوّاب من خارج القيد الطائفيّ”.

تمديد جديد؟

وفق المعلومات، ثمّة توافق رئاسيّ على عدم السير بخيار تقصير الولاية، على قاعدة “ما حدن باله بالانتخابات”، على حدّ تعبير أحد النوّاب. وهناك واقعيّة سياسيّة قد تقود إلى النقاش مجدّداً في إقرار تمديد ثانٍ لمجلس النوّاب في أيّار 2028، لاعتبارين أساسيّين:

– في حال بقاء الوضع الأمنيّ والعسكريّ على ما هو عليه، أو ازداد سوءاً، في ظلّ شبه تسليم سياسيّ بأنّ إسرائيل لن تنسحب في المدى القريب، وربّما الطويل، من لبنان، وفي ظلّ إصرار خارجيّ وداخليّ على حسم مسألة سلاح “الحزب” نهائيّاً، وتداعيات ذلك على الوضع الداخليّ.

– إذا اقتضت الظروف تأمين “الحماية” المستمرّة لحكومة نوّاف سلام، وعدم تعريضها لامتحان تكليف رئيس حكومة آخر. يقول نائب بارز في هذا السياق لـ”أساس”: “أكاد أجزم أنّ التمديد لمجلس النوّاب الصيف الفائت، لم يكن فقط لتعذّر حصول الانتخابات، مع العلم أنّ وزارة الداخليّة كانت تقول عكس ذلك، إنّما لتأمين استمراريّة حكومة نوّاف سلام”.
ترى المصادر أنّ “رسائل “القوّات” تستهدف الحكومة قبل أن تستهدف تركيبة مجلس النوّاب الحاليّ

مقعد البقاع الغربيّ

على صعيد آخر، وفي ما يخصّ انتخابات البقاع الغربيّ الفرعيّة، تفيد معلومات بأنّ وزارة الداخليّة في طور التحضير لهذه الانتخابات، وقريباً سيصدر مرسوم دعوة الهيئات الناخبة بناءً على اقتراح وزير الداخليّة أحمد الحجّار، وتوقيع رئيسَي الجمهوريّة والحكومة.

بموجب القانون، ستجري الانتخابات على أساس النظام الأكثريّ، مع العلم أنّ الانتخابات النيابيّة الماضية حصلت على أساس قانون الانتخابات النسبيّ.

بنتيجة الانتخابات حصد تحالف النائب حسن مراد و”حركة أمل” و”التيّار الوطني الحرّ” والفرزلي ثلاثة مقاعد (حسن مراد، وقبلان قبلان، وشربل مارون)، فيما نالت لائحة تحالف “الاشتراكيّ” وجزء من “تيّار المستقبل” ومستقلّين مقعدَي وائل أبو فاعور وغسّان سكاف، وخرقت لائحة المجتمع المدنيّ و”الجماعة الإسلاميّة” وجزء آخر من “المستقبل” بمقعد النائب ياسين ياسين.

شمس الدّين: معركة محسومة

يقول الباحث محمّد شمس الدين لـ”أساس”: “يبلغ عدد الناخبين في دائرة البقاع الغربيّ وراشيا نحو 160 ألف ناخب، نصفهم من السنّة، فيما هناك كتلة ناخبة من الشيعة والدروز تقدّر بـ22 ألف صوت، و10,500 للمسيحيّين”، مؤكّداً أنّ “القوّة الانتخابيّة الأساسيّة هي لتيّار المستقبل الذي يتوزّع اليوم على عدّة تيّارات، فيما القوى الأساسيّة، وهي شبه متساوية، تقدّر بنحو 10 آلاف صوت لكلّ من “أمل” و”الحزب” وحسن مراد و”الاشتراكيّ”، وهناك “القوّات اللبنانيّة” (5 آلاف) و”التيّار الوطنيّ الحرّ” (4 آلاف) و”الجماعة الإسلاميّة” (3 آلاف).

بناءً على هذا الواقع، يقول شمس الدين، “قد لا تشهد هذه الانتخابات معركة، والأوفر حظّاً هو الفرزلي في حال دعمته القوى الثلاث المذكورة”.

اترك تعليق