في “الحالة اللبنانيّة” وضروراتها – عقل العويط – النهار

كلّما اكفهرّت الروح، وتلبّدت أتراحها، وكلّما ترهّلت الأعمار، وتضعضعت أجسامها، وكلّما تفاقمت الأحوال، وازدادت الأوضاع سوءًا، وبدت الطرق مسدودةً إلى غير انفراج، ازداد تفكيري الوجوديّ في أسباب لبنان، وتضاعفَ يقيني بضروراته.
أريدُ، بعقلٍ واعٍ، أنْ يُنأى بهذا المقال عن الوقوع في موقع الحقوق والحقوق المضادّة، والمُنزَلات الممنوع المسّ بها، أو عن الاندراج في كلِّ نوعٍ من أنواع السعير الخرافيّ، الانفعاليّ، العاطفيّ، الوجدانيّ، الفئويّ، الاستضعافيّ، أو الاستكباريّ.
فليس تَفَكُّرُ هذا المقال متشبّثًا بترتيبٍ، أو باتّفاقٍ، أو بمنصبٍ، أو بموقعٍ، بل بفكرةٍ فحسب، ومعنى، وحاجة.
المسألة ليست مسألةً عاطفيّةً، أو وجدانيّةً، أو أسطوريّةً، أو خرافيّةً، أو تهويميّةً، أو تخريفيّةً، ولا هي شخصيّة، أو فئويّة.
إنّها مسألة حالة. وضرورة.
“الحالة اللبنانيّة”. وضرورة هذه “الحالة اللبنانيّة”.
وإذا من هوّيّةٍ افتراضيّةٍ لهذا التفكّر، فهذه هي هوّيّته، وهذا هو انتماؤه، ومعتقده، والتزامه، ورؤيته إلى التاريخ والجغرافيا والماضي والحاضر، واحتمالات الخروج إلى المستقبل.
إدراك الضرورة في الحالة هذه، فهمها، استيعابها، احتضان فلسفتها، إعلاء شأنها، والمناداة بها، لا يحتاج إلى قوّةٍ، ولا إلى عددٍ، ولا إلى نصيرٍ، ولا إلى أقلّيّاتٍ وأكثريّاتٍ وتحالفاتٍ وعقودٍ ثنائيّةٍ وثلاثيّةٍ ورباعيّة، ولا خصوصًا إلى ظروفٍ ومعطياتٍ، واستدعاءاتٍ خارجيّةٍ، أيًّا تكن.
“الحالة اللبنانيّة” تحتاج فقط إلى وعي أنّها حالة وضرورة، وإلى لزوم عقلنتها بالعقل دون سواه، بفلسفة العقل، وعيًا بشؤون التاريخ والجغرافيا وشجونهما، وبتعقيدات الحاضر، ورحابات المستقبل.
وعليه، المسألة ليست مسألة شيعةٍ وسنّةٍ ودروزٍ ومسيحيّين وعلمانيّين ولاأدريّين وأقلّويّين وأكثريّين، وسواهم. البتّة.
المسألة، تاليًا، ليست مسألة فرنسا وإيران والسعوديّة والولايات المتّحدة وتركيّا ومصر وسوريا والكيان الإسرائيليّ الغاصب، وليست مسألة حرامٍ وحلال، وليست مسألة تماكرٍ وتخابثٍ وانتهازٍ وقضمٍ واقتناص، ولا مسألة إشفاقٍ وترفّقٍ، وليست خصوصًا تعديلًا دستوريًّا، أو تسويةً بالتراضي، بالأكثريّة، أو بالثلث المعطّل، أو تغييرًا للدستور برمّته، أو مثالثةً ومرابعةً، في أيّ شكلٍ من الأشكال.
باطلةً تكون “الحالة اللبنانيّة”، وباطلةً ضرورتها، إذا فُكِّر فيها هذا التفكير، وأُخِذت من هذه المنطلقات، ورضخت لاعتباراتٍ تسوويّةٍ كهذه الاعتبارات، أو سواها.
لا أدعو فريقًا، أو حزبًا، أو مذهبًا، أو طائفةً، أو سلاحًا، أو وصيًّا، أو مستكبرًا، أو محتلًّا، أو طامعاً، أو جاحدًا، أو خائنًا، أو متخاذلًا، أو ذمّيًّا، أو راضخًا لأمرٍ واقعٍ، أكان مقيمًا في الداخل أم جارًا أم موجودًا على مسافةٍ ومسافاتٍ…، لا أدعو أحدًا من هؤلاء إلى أن يدلو بدلوه في هذه “الحالة اللبنانيّة”، وضروراتها، من معاييره ومنطلقاته ومسلّماته وحساباته وتوجّساته ومخاوفه ومحاذيره، بل بـ”الشروط” والمواضعات التي تؤمّن الحياة لهذه الحالة، وتؤمّن ديمومتها.
ليس المطلوب من أحد أنْ يستقيل من ذاته. لن يكون من شيم “الحالة اللبنانيّة” هذه، وكينونتها، وديمومتها، أنْ تطلب منه أنْ يستقيل من ذاته. وليس ما يدعو في “الحالة اللبنانيّة”، إلى محو هذه الذات، أو الاستقالة منها.
الآن، وهنا، ما دام وجود لبنان على المحكّ، وكذا دستوره، وكيانه، ومصيره، فإنّي، متوجّسًا من الآتي، أجدني أقول ما يأتي لكلّ مَن يعنيهم الأمر:
لزوم انتخاب رئيسٍ للجمهوريّة، بدون لفٍّ ودوران، وتحت أيّ ذريعة.
ثمّ أقول: عبثًا ركوب أيّ مركبٍ قائمٍ على ضيمٍ أو غلبةٍ، بناء على لحظةٍ مؤاتية، أو وقائعَ مستجدّة، كلّها قابلةٌ للتحوّل والتغيّر، تبعًا للظروف.
ثمّ، عبثًا التفكير في حلولٍ للمسألة اللبنانيّة، أو البحث عن مخارجَ وتسوياتٍ موقّتةٍ، تحت وطأةٍ من عددٍ، أو غلبةٍ، أو هيمنةٍ، أو سلاحٍ، أو مالٍ، أو تحالف.
كلّ تسويةٍ من هذا القبيل ستكون مريضةً، مسبقًا، مسمومةً، مفخّخةً، محكومةً – موضوعيًّا – بـ”الاغتيال”، وغير قابلةٍ للعيش والديمومة، خارج “الحالة اللبنانيّة” وضروراتها.
ما هي هذه “الحالة اللبنانيّة”؟
ألا يقصّر، ألم يقصّر، عن إدراك طبيعتها وفلسفتها، وينوء بهما، كلٌّ من دستور 1926 ، ودستور 1943، واتّفاق القاهرة، واتّفاق الطائف، واتّفاق 17 أيّار، والاتّفاق الثلاثيّ، واتّفاق الدوحة (وما طرأ على الدساتير والاتّفاقات هذه من تعديلات)، فكيف بثلاثيّة “الجيش والشعب والمقاومة”، والدويلة ضمن الدولة؟!
ثمّ، وعيًا بالفجائع والمرارات الناجمة عمّا ذُكِر أعلاه، و/أو المتلازمة والمتزامنة مع أعلاه، ووعيًا بالعِبَر المأسويّة المتواصلة والماثلة أمامنا، ألا ينبغي لكلّ مَن تعنيه المسألة اللبنانيّة، أنْ يتهيّب وهو يقرأ السؤال اللصيق الآتي: ألنْ تقصّر، ألنْ تنوء، بـ”الحالة اللبنانيّة”، كلٌّ من اللّامركزيّة الموسّعة، والتقسيم، والتهجير، والترانسفير، والتطهير، والفيديرالية، والكونفيديراليّة، وسواها من أفكارٍ ورؤى متداولة؟
أكرّر السؤال: ما هي هذه “الحالة اللبنانيّة”؟
ليكن الجواب الفذّ المحتمل نابعًا من هنا. ولتكن المسألة الوجوديّة المطروحة هي هذه المسألة. ولتؤخَذ بالعقل فحسب. ولتُعالَج به.
ليس من مستحيلٍ إذا وُضعت هذه المسألة، مسألة “الحالة اللبنانيّة”، في عهدة العقل.
أخشى أنْ أقول: عبثًا كلّ “رهانٍ” خارج هذا الرهان.

اترك تعليق