مطالب أميركيّة متشدّدة لتجفيف تمويل “الحزب”.

لا تبدو نهاية رحلة لبنان مع “عواصف” الضغوط التي تحاصره قريبة، بل إن تقاطع هذه العواصف وتشابكها وتنوّع وجوهها من شأنه أن يفاقم المخاوف من تداعياتها وتأثيراتها الثقيلة على مجمل أوضاعه. ويصح في مشهد الوقائع والتطورات التي تعاقبت أمس، من دون ترابط شكلي مباشر في ما بينها، أنه شكّل نموذج الصدمات التي يتلقاها لبنان بتصاعد متدرّج من دون أن يتضح واقعياً بعد أي أفق عملي لتخفيف الضغوط التصاعدية عليه. ذلك أن ما سمعه وتبلّغه رئيسا الجمهورية والحكومة ووزراء ونواب ومسؤولين من الوفد الأميركي “المهيب” ذات التركيبة المالية والأمنية والاستخباراتية، ينذر بأن الولايات المتحدة الأميركية باتت تضع لبنان تحت وطأة معادلة تتساوى معها مسؤولية لبنان في تجفيف التمويل الإيراني وغير الإيراني لـ”حزب الله” مع مسؤوليته في نزع سلاح الحزب. ثم إن التهديدات الإسرائيلية بعملية واسعة في لبنان لم تعد في حاجة إلى رصد التقارير الإعلامية الإسرائيلية، بعدما تصاعدت وتيرة العمليات اليومية من مثل قوس الغارات الإسرائيلية التي حصلت أمس بين الجنوب والهرمل.

وبحسب مصادر تابعت لقاءات الوفد الأميركي في بيروت، والذي ضمّ مسؤولين من مكتب مكافحة تمويل الإرهاب والاستخبارات المالية في الخزانة، فقد شدّد على أنّ واشنطن “تملك معطيات دقيقة” حول دخول مبالغ نقدية ضخمة إلى لبنان في الأشهر الماضية، قدّرتها بأكثر من مليار دولار، من دون أن تمر عبر النظام المصرفي أو تخضع لأي رقابة رسمية. هذا الرقم، وإن لم يُقدَّم بصفة رسمية، أعاد فتح النقاش حول حجم السيولة النقدية المتداولة في السوق اللبنانية، وحدود قدرة مصرف لبنان والأجهزة المعنية على ضبطها. وأضافت المصادر أن الجانب الأميركي تحدّث بصراحة عن قلقه من توسّع اقتصاد الكاش في لبنان، واستغلاله من قبل شبكات تابعة لـ”حزب الله” سواء عبر شركات صرافة أو عمليات تجارية مموّهة”. كما أشارت إلى أنّ أحد أعضاء الوفد استخدم تعبيرًا لافتًا حين قال: “لبنان اليوم يشبه صندوقًا نقديًا مفتوحًا على البحر”. وطلب الوفد من لبنان اتخاذ خطوات محدّدة خلال الأشهر المقبلة، أبرزها تشديد الرقابة على شركات الصرافة وإلزامها بتقديم تقارير عن العمليات الكبيرة المشبوهة. وتفعيل وحدة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب في مصرف لبنان ومنحها صلاحيات قضائية مباشرة. وفرض قيود على حركة الأموال النقدية عبر الحدود.

بازاء ذلك، لم تغب الضغوط على لبنان عن محادثات رئيس الجمهورية جوزف عون مع الرئيس البلغاري رومن راديف في زيارة الرئيس اللبناني أمس لصوفيا، إذ شدّد على “أنّ مهمةَ جيشِنا مصيرية، لأنّ عليه وحدَه، وأكررُ، وحدَه، من دون شريكٍ له، لا من خارجِ الدولة ولا من خارج لبنان، أن يبسطَ سلطةَ دولتِنا على كامل أراضيها وحدودِها وأن يفرضَ سيادتَها الكاملة، بحيث تتوقفُ الاعتداءاتُ الإسرائيلية على أرضِنا، وتنسحبُ اسرائيلُ من النقاط التي تحتلُها”. واعتبر أن “هذا ما يجب أن يترافقَ مع مسارٍ تفاوضي، نعتبرُه السبيل الوحيد لتحقيق أهدافنا الوطنية ومصلحة لبنان العليا”.

ولكن زيارة عون لبلغاريا لم تشهد الخطوة المنتظرة بتسليم لبنان مالك السفينة المرتبطة بانفجار مرفأ بيروت عام 2020. ففي حين شدّد الرئيس اللبناني في مؤتمره الصحافي مع نظيره البلغاري على “أهمية التعاون القضائي والجنائي بين البلدين، خصوصاً في ملف انفجار مرفأ بيروت”، أفادت “وكالة الصحافة الفرنسية” بأن “القضاء البلغاري أرجأ النظر في تسليم لبنان مالك السفينة المرتبطة بانفجار مرفأ بيروت عام 2020، طالباً من السلطات اللبنانية أن تؤكد أنها لن تطبق عقوبة الإعدام”. وأوضحت ناطقة باسم محكمة صوفيا أن القضاة البلغار اتخذوا هذا القرار خلال جلسة عُقِدَت الاثنين لاعتبارهم أن تصريحات السلطات اللبنانية في هذا الشأن مبهمة جداً.

اترك تعليق