في لبنان، تبدو السياسة كرقعة شطرنج تُحرّكها أيادٍ بعيدة وتتقاطع فيها حسابات الولايات المتّحدة وإيران فوق أرضٍ مثقلة بالتوازنات الهشّة. مع كلّ جولة مفاوضات بين الطرفين، يتردّد صدى النتائج في الداخل اللبنانيّ كأنّ البلاد مرآة تعكس توتّرات الإقليم وتفاهماته في آنٍ معاً.
ما يجري اليوم في لبنان لا يمكن فصله عن مآلات مفاوضات إسلام آباد، حيث تتبلور تفاهمات غير مباشرة ترسم حدود الاشتباك وحدود التسوية. إذا ما مالت الكفّة نحو التهدئة تنفّس لبنان قليلاً، وإن تعثّرت عاد التوتّر ليتفجّر كبركانٍ خامدٍ تحت قشرةٍ رقيقة من الاستقرار. هنا يصبح لبنان أشبه بسفينةٍ صغيرة في بحرٍ هائج، لا تتحكّم بالرياح بل تحاول فقط ألّا تغرق.
يقول الفيلسوف الإنكليزيّ توماس هوبز إنّ “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”، وهي مقولة تختصر طبيعة الصراع حين تغيب الضوابط. أمّا هانس مورغنثاو، أحد أبرز منظّري الواقعيّة السياسيّة، فيرى أنّ الدول تتحرّك وفق مصالحها لا وفق القيم، وهو ما يفسّر كيف يتحوّل لبنان إلى ساحة اختبار لتوازن القوى، لا أكثر.
في هذا السياق، يبدو الانفجار السياسيّ أو الأمنيّ في لبنان كأنّه نتيجة حتميّة لشدّ الحبال بين واشنطن وطهران، حيث يُستخدم الداخل كورقة ضغط متبادلة. كلّما اقتربت التسويات خفّت حدّة التوتّر، وكلّما ابتعدت اشتعلت الجبهات الرمزيّة أو الفعليّة.
ليس لبنان اليوم ضحيّة موقعه الجغرافيّ فقط، بل ورهينة لعبة أممٍ أكبر منه. بين نار التسويات الباردة وجمر الصراعات الساخنة، تفتح المفاوضات الأميركيّة-الإيرانيّة الباب أمام تسوية موضوعيّة لسلاح “الحزب”، شرط أن تقبل إيران، الدولة الوحيدة التي تمون على “الحزب”، بهذه التسوية، ولا سيما أنّ المطروح تعديلات جوهريّة على اتّفاق الطائف عبر “الطائف 2″، مع دور سعوديّ – إيراني مشترك ورعاية أميركيّة، يغلق الباب بهدوء أمام المطالب الشيعية غير العلنية في الدولة ثمناً لانخراطهم الكامل والفاعل في الحكم، ويأخذ منهم السلاح الثقيل إلى إيران، ويجعلهم بمنزلة “حرس وطنيّ” على الطريقة الأميركيّة عوض الاستغناء عن خدماتهم وتهميشهم وبالتالي تحضير الأرض والمسرح اللبنانيّ لمواجهة داخليّة كلُّ لبنان بغنى عنها.
إنّ المرحلة الحاليّة حبلى بالمفاجآت، وخصوصاً ما سينتج عن تسوية إيران-أميركا، ودخول الأولى على خطّ الحداثة من باب التحكّم الأميركيّ!
















