كل الخطر يتركز حاليًا على ما يخطط له “حزب الله” في الأسابيع الثلاثة المقبلة أي خلال مدة وقف إطلاق النار وفي المعلومات، إن “الحزب” أعد خطة جهنمية ضمن حملة ممنهجة تستهدف رئاسة الجمهورية وذلك للانقضاض على مسار التفاوض لا سيما أن المعلومات تشير إلى أن السفير الأميركي ميشال عيسى أبلغ الجميع ضرورة تسريع وتيرة المفاوضات وتفعيلها. من هنا، يتوقع أن يحدد في الأيام المقبلة موعد جولة مفاوضات جديدة بالتزامن مع الانتهاء من تشكيل الوفد اللبناني المفاوض برئاسة السفير سيمون كرم. ماكينة “حزب الله” تتماهى مع ماكينة إسرائيلية ضاغطة إذ أوردت القناة 15 الإسرائيلية أنه من المتوقع أن يسافر نتنياهو خلال أسبوعين ونصف للمشاركة في قمة مع الرئيس اللبناني وأن الاجتماع اللبناني الإسرائيلي قد يعقد في 11 أيار. لكن مصدرًا لبنانيًا رسميًا رفيعًا أوضح لـ “نداء الوطن” أن لبنان لم يتبلغ بعد ولا شيء رسميًا لغاية الآن.
خطة الأسابيع الحاسمة
أمام هذه التطورات، تكشف المعلومات أن “حزب الله” يعمل على تسعير حملة أبواق الممانعة على الرئيس عون وتسخين الجبهة الجنوبية لتطويق ورقة التفاوض بعدما عجز عن إسقاطها.
وهكذا، بعدما دمر “الحزب” ما دمره وهجّر 55 بلدة وتسبّب بجرفها عن بكرة أبيها كما تسبب في احتلال 500 كلم2 وشرّد ما شرّده من عائلات وأسقط الاقتصاد بالضربة القاضية، ها هو يلعب لعبة وسخة من ضمن ورقته الأخيرة وهي إفشال لبنان على طاولة المفاوضات ما يعني بالنتيجة فرض إسرائيل أجندتها وبقاء لبنان تحت رحمة “الحزب” والأجندة الإيرانية.
فـ “الحزب” يعرف أن التفاوض بين الدول ليس مجرد مسار دبلوماسي عابر، بل هو في جوهره شكل من أشكال الصراع، يوازي في نتائجه وأثره ما تخلفه الحروب والمعارك.
و “الحزب” يعلم أيضًا انه بموجب الدستور اللبناني، تقع صلاحية التفاوض في صلب مهام رئيس الجمهورية، بصفته رأس الدولة وحامي الدستور ورمز وحدة الوطن. واليوم، يخوض رئيس الجمهورية معركة تفاوضية دقيقة، لا تقتصر على مبدأ التفاوض بحد ذاته، بل تمتد إلى رسم حدوده، وتحديد جدول أعماله، وصياغة نتائجه بما يحفظ مصالح لبنان العليا.
كما إن هذه المعركة تتطلب إعداد ملفات شاملة ومتكاملة، من ترسيم الحدود البرية والبحرية، إلى قضايا المياه، وصولاً إلى المسائل السياسية المرتبطة بالدفاع والأمن. وهي ملفات تندرج ضمن مسار قد يبدأ بتطوير اتفاقية الهدنة كحد أدنى، وقد يصل إلى تكريس اتفاقية عدم اعتداء كحد أقصى، بما يعيد تثبيت موقع لبنان ويحمي استقراره.
ورغم كل ما يعرفه “حزب الله”، فإنه ماض في مخططه المنسق إيرانيًا. من هنا نسمع أصواتًا كانت بالأمس القريب ترفع شعار “لا تطعنوا المقاومة في ظهرها”، تعود اليوم لتطعن رئيس الجمهورية في ظهره خلال لحظة تفاوض مصيرية. وتقول مصادر دبلوماسية عربية إن هذا السلوك لا يؤدي إلا إلى إضعاف الموقف اللبناني، وإشغال القيادة السياسية بمعارك داخلية تفقدها التركيز في مواجهة التحديات الخارجية.
وتعتبر المصادر أن الأصول السياسية والوطنية تفرض العكس تمامًا، إذ تفرض الالتفاف حول موقع رئاسة الجمهورية في هذه المرحلة، لا من باب التأييد المطلق، بل من باب حماية الموقف التفاوضي. فالمحاسبة الشعبية تبقى حقًا مشروعًا، لكنها يجب أن تمارس على أساس نتائج التفاوض وجدول أعماله، لا على أساس مبدأ التفاوض بحد ذاته أو شكله.
من كامب دايفيد إلى أوسلو
إن التاريخ لا يرحم في هذا المجال. فخلال لقاءات كامب ديفيد، ما كان أنور السادات ليدخل التفاوض من موقع قوة لو كان هناك طرف مصري داخلي يعمل على تقويضه يوميًا. وفي اتفاقية الجمعة العظيمة، أدركت الأطراف المتصارعة في إيرلندا الشمالية أن وقف النزيف يبدأ بوقف التحريض الداخلي لا بتغذيته.
في المقابل، يكفي النظر إلى تجربة اتفاق أوسلو الفلسطيني – الإسرائيلي كي نرى كيف ساهم الانقسام الداخلي في إضعاف النتائج وتحويل الاتفاق إلى محطة هشة بدل أن يكون حلًا مستدامًا.
وهكذا، إن ما يفعله محور الممانعة يندرج في هذا السياق بالضبط: إضعاف المفاوض اللبناني قبل أن يجلس إلى الطاولة، وتقديم خدمة مجانية لإسرائيل عبر إظهار الدولة ككيان فاشل.
على خط آخر، وباستثناء “حزب الله”، كان لافتًا الإجماع الوطني الداعم لموقف رئيس الجمهورية، وتجلّى في مواقف صادرة عن مختلف المرجعيات، من دار الفتوى، إلى النواب السنة، إلى القيادات المسيحية والدرزية، في تأكيد واضح على ضرورة حماية الموقف الرسمي في هذه المرحلة ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي من جميع القوى، بمن فيهم “حزب الله”وجمهوره، وكذلك من خلال موقع رئيس مجلس النواب، أن يكونوا جزءًا من هذا الالتفاف، لا خارجه.
ما يكتب اليوم ليس مجرد فصل عابر في التاريخ اللبناني، بل هو مسار تأسيسي لمرحلة جديدة. وهذه المرة، لا يسجل التاريخ اتفاقيات تنازل، بل فرصة حقيقية للخلاص، فحذار طعن رئيس الجمهورية في ظهره، فما يُخسر على الطاولة لا يُستعاد لا في الميدان ولا بالشعارات الفارغة.
















