الإسرائيليّ يُفاوض من اللّيطاني

تبدأ اليوم جولةُ المفاوضات المباشرة الثالثة، لكن الموسّعة، وسط ترقّب لبنانيّ لمدى التزام إسرائيل إجراء المحادثات، أقلّه بالتزام وقف إطلاق النار خلال يومَي التفاوض. لبّ الموضوع أنّ رئيس الجمهوريّة جوزف عون، عبر إدارته الحصريّة للتفاوض، يحاول فرض مسار وقف النار الشامل مقابل “خطوات”، من جانب لبنان، سيسمعها الإسرائيليّون اليوم في واشنطن.

سَعَت إسرائيل عشيّة المفاوضات إلى تكريس أمرٍ واقعٍ للمرّة الأولى منذ بدء الحرب في 2 آذار بإيجاد نقطة احتلال لها خارج بقعة جنوب الليطاني، عند مشارف زوطر الشرقيّة. هذا ما يتيح للإسرائيليّ الجلوس إلى طاولة واشنطن مُفاوِضاً من نهر الليطاني، وليس خلفه، وهذا ما يُصعّب أكثر من “وضعيّة” الفريق اللبنانيّ المفاوِض.

خلال الأيّام الماضية عَكَس قائد الجيش العماد رودولف هيكل، خلال مداولاته مع كبار الضبّاط وفي لقاءاته مع رئيس الجمهوريّة، اهتماماً زائداً باستعراض السيناريوات العسكريّة المحتملة لحصول تقدّم إسرائيليّ برّيّ شمال الليطاني يمكّن العدوّ من السيطرة على المرتفعات المطلّة على النهر.

موقعان استراتيجيّان

موقعان أساسيّان هما محطّ اهتمام عسكريّ:

– قلعة الشقيف: وصول العدوّ الإسرائيليّ إليها برّاً يفرض السيطرة العسكريّة الكاملة على الخردلي وكفرتبنيت وصولاً إليها، أو عبر جسر في وادي راج يوصل إلى الليطاني لجهة الشمال، وهذا ما أعلنه العدوّ الإسرائيليّ قبل يومين بتأكيد وصوله إلى مشارف زوطر الشرقية، انطلاقاً من هذا المعبر المستحدث، ومنها ربّما عبر الخطّ الممتدّ نحو زوطر الغربيّة ويحمر وأرنون وصولاً إلى قلعة الشقيف. كان السيناريو الثالث عبر إنزال عسكري، لكنّ صعوبته تكمن في ضمان استمراريّة الإمدادات العسكريّة واللوجستيّة للقوّات المعادية، إذا حصل فعلاً هذا الإنزال.

الليطاني

– الموقع الثاني هو علي الطاهر، على الخطّ الممتدّ من كفرتبنيت إلى شرق النبطيّة.
تبدأ اليوم جولةُ المفاوضات المباشرة الثالثة، لكن الموسّعة، وسط ترقّب لبنانيّ لمدى التزام إسرائيل إجراء المحادثات

وفق تقديرات عسكريّة، سَبقت تقدّم الجيش الإسرائيليّ باتّجاه زوطر الشرقيّة ذات الموقع الاستراتيجيّ والمشرفة ناريّاً على مناطق واسعة، محاولات متعدّدة للتقدّم من جبهة الطيبة ودير سريان والقنطرة تعكس نوايا عسكريّة لإيجاد موطئ قدم ثابت شمال الليطاني قد يصل في أسوأ السيناريوات إلى مشارف النبطيّة أو الزهراني، وهو الأمر الذي تهدّد به فعلاً بعض الأصوات الإسرائيليّة.

عليه، لا تزال الإنذارات المتكرّرة بالإخلاء، التي طالت أمس ستّ بلدات واقعة ضمن الخطّ الغربيّ الساحليّ، تخدم أهدافاً ثلاثيّة الأبعاد للعدوّ الإسرائيليّ:

– مزيداً من الضغط على “البيئة” والحكومة عبر إحداث موجات تهجير جماعيّ متكرّر.

– ضرب ما يقول الجيش الإسرائيليّ إنّه مواقع لـ”الحزب”.

– التمهيد لمزيد من التقدّم البرّيّ لتقوية العدوّ أوراقه على طاولة التفاوض.

قضم تدريجيّ

سيرخي هذا الواقع العسكريّ بثقله على المُفاوض اللبنانيّ، وسيجعل أيَّ انسحاب إسرائيليّ محتمل رهينَ شروط صعبة على لبنان، إضافة إلى كلفة هائلة تقدّر بالمليارات لإعادة بناء قرى الجنوب، وفي ظلّ نزوح هو الأوسع، بعد حقبة التسعينيّات، شمل نحو 80% من مساحة جنوب الليطاني، وجزءاً من شماله، نسبة إلى إنذارات الإخلاء المُعلنة.

هكذا أعلنت إسرائيل تقدّماً برّيّاً خطِراً في شمال الليطاني، بدلاً من أن تردّ على لبنان بوقف النار قبل انطلاق المفاوضات الموسّعة، وأطلقت موجة جديدة من إنذارات الإخلاء، وأبقت على طائراتها الحربيّة التجسّسيّة فوق بيروت، واستهدفت بكثافة يوم أمس عدداً من السيّارات على الخطّ الساحليّ الجنوبيّ في الجيّة والسعديّات، وفي بلدات في أقضية صور والنبطيّة وصيدا، موقعة العديد من الشهداء. في المقابل، صعّد “الحزب” استهدافاته في الأيّام الأخيرة عبر إطلاق صواريخ ومسيّرات باتّجاه شمال إسرائيل.
أعلنت إسرائيل تقدّماً برّيّاً خطِراً في شمال الليطاني، بدلاً من أن تردّ على لبنان بوقف النار قبل انطلاق المفاوضات الموسّعة

وفق المعلومات، وصلت معطيات ميدانيّة ضئيلة في شأن عمليّة زوطر الشرقيّة إلى الجيش اللبنانيّ، ولم يكن هناك من تأكيدات عسكريّة لبنانيّة لاحتمال الانتقال عبر معبر وادي راج نحو زوطر، وهو ما شكّل مفاجأة لرئيس الجمهوريّة وقيادة الجيش معاً.

لكن حتّى الآن لا معطيات عن تمركز نهائيّ للعدوّ الإسرائيليّ في النقاط التي وصل إليها، ومع ذلك بقي هناك تخوّف رسميّ من أن يُشكّل هذا الممرّ فوق النهر جسراً لعبور مزيد من الآليّات الثقيلة والمشاة في سياق قضم تدريجيّ شمال الليطاني. يكمن العبء الأكبر، بالنسبة للحكومة، بالتوازي مع قرار الدولة حصر السلاح بيدها، في مواكبة ما يشبه الانفجار السكّانيّ في مدينتَي صور وصيدا بسبب النزوح المستمرّ.

الخطوة الأولى

تقرّ مصادر سياسيّة متابعة أنّه “في ظلّ هذا الستاتيكو لن تكون مفاوضات واشنطن متأثّرة بمسار المفاوضات الأميركيّة-الإيرانيّة فقط، بل بمن سيُقدم على الخطوة الأولى في واشنطن: إسرائيل عبر وقف إطلاق النار ثمّ الانسحاب التدريجيّ، أم لبنان عبر نزع السلاح من جانب الدولة اللبنانيّة؟”.

اترك تعليق