في وقت لا تزال تداعيات المواجهة الأخيرة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى تلقي بظلالها على المنطقة، تتحدث تقارير إسرائيلية عن تحركات أميركية واسعة لإعادة صياغة المنظومة الأمنية في الشرق الأوسط، تشمل حوارًا عسكريًا مباشرًا مع إيران، وخططًا لدراسة نقل أصول وقواعد أميركية إلى إسرائيل، إلى جانب دور محوري للبنان في الترتيبات الأمنية الجديدة.
وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي نشره موقع “ماكو” الإسرائيلي، شهدت الأسابيع الأخيرة سلسلة تطورات يعتبرها الأميركيون مؤشرات على تحول عميق في البنية الأمنية الإقليمية، تقودها القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM).
وأشار التقرير إلى أن العاصمة البحرينية المنامة استضافت مؤتمرًا عسكريًا وصفه بالتاريخي برعاية القيادة المركزية الأميركية، بالتزامن مع فتح قنوات اتصال سرية، وطرح ما وصفها بأفكار “ثورية”، من بينها تحويل قواعد عسكرية إسرائيلية إلى مراكز ارتكاز للقوات الأميركية.
ووفق التقرير، فإن قيادة “سنتكوم” تعمل في الوقت نفسه على إعادة رسم خطوط الدفاع في مواجهة إيران، لكنها تسعى أيضًا إلى منع اندلاع حرب جديدة أو إبعادها قدر الإمكان.
وأضاف أن قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، قاد هذا الأسبوع حوارًا أمنيًا إقليميًا شارك فيه مسؤولون عسكريون من البحرين ومصر والأردن والكويت وسلطنة عمان وقطر والسعودية والإمارات واليمن
ولفت التقرير إلى أن الحدث الأبرز تمثل في مشاركة ممثلين عسكريين كبار من سوريا ولبنان للمرة الأولى، فيما لم تُدع إسرائيل للمشاركة في هذه المناقشات الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة.
وأوضح أن المباحثات ركزت على البيئة الأمنية المتوترة في المنطقة، وفرص توسيع التعاون العسكري، ولا سيما تعزيز منظومة الدفاع الجوي الإقليمية متعددة الطبقات، فيما كان ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز في صلب النقاشات
وبحسب التقرير، أظهرت المناقشات والتصريحات أن اهتمام الولايات المتحدة ينصب بصورة أكبر على أمن مضيق هرمز أكثر من تركيزه على الملف النووي الإيراني أو برنامج الصواريخ أو نشاط الميليشيات.
ونقل التقرير عن الأدميرال كوبر قوله: “نواصل الوقوف كتفًا إلى كتف مع شركائنا في المنطقة”، في إشارة إلى استمرار توسيع التحالفات الإقليمية رغم التوتر القائم.
وفي موازاة ذلك، كشف التقرير أن العاصمة القطرية الدوحة شهدت تطورًا آخر، بعدما أعلن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس موافقة إيران على إجراء محادثات مباشرة بين ممثلين عن الحرس الثوري الإيراني ومسؤولين في القيادة المركزية الأميركية.
وأشار التقرير إلى أن هذه القناة العسكرية المباشرة تهدف إلى تقليص الاحتكاك ومعالجة الأزمات بصورة مباشرة، بعيدًا عن قنوات الوساطة التقليدية التي كانت تعتمد على وزارات الخارجية أو وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
وأضاف أن هذه الخطوة أثارت استغرابًا واسعًا، بالنظر إلى أن الطرفين كانا، حتى وقت قريب، يتبادلان الضربات العسكرية، كما أن بعض المسؤولين الإيرانيين المشاركين في هذه الاتصالات كانوا أهدافًا لمحاولات اغتيال.
ونقل التقرير عن مسؤولين أمنيين أميركيين أن الحاجة إلى هذه القناة برزت بعد المواجهة الأخيرة، حين استهدفت الولايات المتحدة مواقع داخل إيران، وردت طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه قواعد أميركية في البحرين والكويت.
وفي سياق متصل، كشف التقرير أن واشنطن تدرس خطة استراتيجية جديدة لنقل بعض أصولها العسكرية إلى قواعد داخل إسرائيل، على خلفية تزايد المخاطر التي تواجه القواعد الأميركية في دول الخليج، القريبة جغرافيًا من إيران والتي تعرض بعضها لهجمات إيرانية.
وأوضح التقرير أن قائد القيادة المركزية الأميركية السابق، الجنرال فرانك ماكنزي، كشف أن “سنتكوم” سبق أن طرحت على إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن ما سماه “الخطة الغربية الاحتياطية”، إلا أنها لم تُعتمد بسبب اعتراضات بيروقراطية داخل وزارة الدفاع الأميركية.
ويرى ماكنزي، بحسب التقرير، أن إسرائيل تمثل الوجهة الأكثر ملاءمة لانتشار القوات الأميركية، نظرًا إلى محدودية القيود المفروضة على تحرك القوات والطائرات الأميركية مقارنة بدول الخليج، إضافة إلى امتلاكها منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات توفر حماية أكبر للقواعد والقوات.
وأشار التقرير إلى أن صواريخ إيرانية أصابت خلال المواجهات الأخيرة طائرات ورادارات وأنظمة أميركية داخل قواعد الخليج، كما قُتل وأصيب عدد من العسكريين الأميركيين هناك، في حين لم تشهد إسرائيل حوادث مماثلة، رغم استضافة طائرات للتزود بالوقود وطائرات نقل وأنظمة أميركية، إلى جانب انتشار قوات أميركية خلال الحرب مع إيران.
وأضاف أن الولايات المتحدة تمتلك أصلًا بنية تحتية عسكرية داخل إسرائيل، تشمل أنظمة ومخازن سبق إنشاؤها، كما استخدمت قوات أميركية قواعد عوفدا ورامون ومطار بن غوريون خلال الحرب الأخيرة.
وبحسب التقرير، يقترح ماكنزي تحويل الوجود الأميركي في قاعدة عوفدا إلى وجود دائم، واستخدام مطار بن غوريون كمركز دائم لتزويد الطائرات بالوقود، ضمن سلسلة قواعد تمتد أيضًا إلى الأردن ومصر وسلطنة عمان.
وفي الشق اللبناني، أشار التقرير إلى أن إسرائيل ولبنان ينفذان حاليًا اتفاق إطار جديدًا لإنهاء الحرب، مع السعي أيضًا إلى تفكيك حزب الله.
وأضاف أن الأدميرال براد كوبر زار بيروت قبل أيام من مؤتمر البحرين، حيث التقى رئيس الجمهورية وقائد الجيش اللبناني، وبحث معهما، وفق التصريحات الرسمية، نقل المسؤولية الأمنية في جنوب لبنان إلى الجيش اللبناني.
غير أن التقرير أشار إلى وجود تشكيك داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ بنود الاتفاق ومواجهة حزب الله.
وأضاف أن إسرائيل أبلغت الجانب الأميركي بأن حماسة الجيش اللبناني للتصدي لعناصر حزب الله تراجعت، معتبرة أن ذلك يعود، من بين أسباب أخرى، إلى أن نسبة كبيرة من عناصر الجيش اللبناني تنتمي إلى الطائفة الشيعية، وأن لبعضهم أقارب داخل حزب الله.
ونقل التقرير عن مصادر مطلعة قولها: “سيكون الانسحاب اختبارًا لقدرة الجيش اللبناني على فرض سيادة الدولة اللبنانية”.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن التطورات الأخيرة توحي بأن الشرق الأوسط يدخل مرحلة أمنية جديدة، تتقاطع فيها بعض الخطوات مع المصالح الإسرائيلية، فيما تتعارض خطوات أخرى معها، مشيرًا إلى أن الأشهر المقبلة، ولا سيما الفترة الممتدة حتى منتصف آب مع انتهاء المفاوضات الأميركية الإيرانية، ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الترتيبات ستؤسس لاستقرار طويل الأمد، أم أنها ستكون مجرد هدنة تسبق جولة جديدة من المواجهة.
















