“القوّات” تمهّد للخروج من الحكومة؟

ادّعى أمس مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة القاضي كلود غانم على 13 شخصاً متورّطين بشحنة المتفجّرات في ضهر البيدر، واتّهمهم، سنداً إلى عدد من موادّ قانون العقوبات وقانون الأسلحة، بـ”الانتماء إلى فصائل مسلّحة والنيل من هيبة الدولة، وتعريض الأمن القوميّ وحياة اللبنانيّين للخطر”.

من المتوقّع أن تتوسّع دائرة الجدل حول قرار الإحالة إلى المجلس العدليّ، وموقف الحكومة النهائيّ منه، في ضوء قرار الادّعاء الذي أصدره القاضي غانم أمس، بعد تسلّمه محاضر التحقيقات الأوّليّة من مخابرات الجيش ومحضر “الشرطة العسكرية” لينتقل الملفّ بعدها إلى قاضي التحقيق العسكريّ غادة أبو علوان.

شمل الادّعاء 13 شخصاً، ثمانية منهم معروفون بكامل هويّتهم، وهم: هيثم أمهز، عليّ الكرديّ، إبراهيم حبيب الملقّب بـ”ساجد”، بلال صبوري الملقّب بـ”ذي الفقار”، محمّد أيّوب، محمّد زعيتر، محمّد هزيمة (صاحب السيّارة التي نقلت المتفجّرات)، الروسيّة يلينا نوفو بغفيني كريشينوفا (زوجة هيثم أمهز)، وجميع هؤلاء سطّر القاضي غانم بلاغ بحث وتحرّ بحقهم، إضافة إلى خمسة غير معروفي كامل الهويّة، وهم الملقّبون بـ”أبي تراب” أو “القصير الأقرع” (الشخص نفسه)، و”السيّد”، و”أبو حيدر”، و”علاء”، و”أبي الفضل”.

تؤكّد معلومات “أساس” أنّ يوم الإثنين سيشهد الادّعاء على متورّط آخر في القضيّة (والأرجح توقيفه) ليرتفع العدد إلى 14 مدّعى عليهم، مع العلم أنّ معطيات “أساس” تشير إلى أنّ مخابرات الجيش في سياق تعرّفها إلى الهويّة الحقيقيّة لكلّ من “ساجد” (مرسل المتفجّرات) و”ذي الفقار” (المُتسلِّم) قلّصت دائرة احتمال انطباق اللقب على اسمهم الحقيقيّ إلى الدائرة الأضيق، سنداً إلى الأدلّة التقنيّة والتقصّي، لذلك فإنّ احتمال أن يكون “ساجد” هو إبراهيم حبيب، و”ذو الفقار” هو بلال صبوري قد لا يكون دقيقاً مئة في المئة.

مواد الادّعاء

جاء في طلب الأدّعاء أنّه، بتاريخ لم يمرّ عليه الزمن، أقدم أمهز والكردي و”ساجد” و”ذو الفقار”، بالاشتراك مع آخرين على الانتماء إلى فصائل مسلّحة دون رضى السلطة، وعلى إجراء تنفيذ عملية نقل كبيرة من المواد المتفجّرة (بنتريت وكرات معدنية وc4) من بعلبك إلى بيروت بقصد النيل من سلطة الدولة، خارقين بذلك التدابير التي اتخذتها الدولة، ومعرضين لبنان لخطر الأعمال العدائية، كما أقدم محمد أيوب ومحمد زعيتر ومحمد هزيمة وكريشينوفا، على التدخّل بالجرائم المذكورة بتأمين وسائل نقل ووسائل اتّصال للمدّعى عليهم الباقين.
اختارت “القوّات” المواجهة المباشرة مع رئيسَي الجمهوريّة والحكومة. وقد استبقت الجلسة الماضية بسلسلة مواقف عالية السقف

ادّعى القاضي غانم في الجرائم المنصوص عنها في المواد 335 و288 و307، معطوفة جميعها على المادة 24 (قانون القضاء العسكري)، و72 و76 للمدعى عليهم، وذات المواد معطوفة على 219 من قانون العقوبات، طالباً إجراء التحقيقات الاستنطاقية بحق المذكورين، وتوقيفهم.

بموجب هذه المواد اتّهم القاضي غانم المدّعى عليهم بتأليف جمعية، أو عقد اتفاق شفهي، بقصد ارتكاب الجنايات، أو النيل من سلطة الدولة، وخرق التدابير التي اتّخذتها الدولة، وتعريض الدولة لخطر أعمال عدائية من دولة أجنبية، وتأليف فصائل مسلّحة…

مسار سريع

حتّى الآن يتمسّك رئيس الجمهوريّة جوزف عون بإبقاء الملفّ بعهدة القضاء العسكريّ، وصولاً إلى محاكمة المتورّطين أمام المحكمة العسكريّة، وهو يرى، من ضمن الأسباب الموجبة التي يعرضها لعدم الإحالة إلى المجلس العدليّ، أنّه مسار سريع، فيما خيار المجلس العدليّ يتطلّب سنوات طويلة لبتّ أيّ ملفّ مرتبط به، والأهمّ أنّ الرئيس عون يتجنّب حصول مواجهة داخليّة مع “الحزب” في لحظة مفصليّة شديدة الخطورة خارجيّاً وداخليّاً.

تتساءل مصادر وزاريّة مؤيّدة لإبقاء الملفّ بعهدة القضاء العسكريّ: “ماذا ستفعل الحكومة إذا تمّ ضبط متفجّرات جديدة كلّ فترة؟ هل تصدر مراسيم إحالة منفصلة إلى المجلس العدليّ في كلّ مرّة تحصل توقيفات وضبط متفجّرات؟”.

القوات

لكنّها في الوقت نفسه رأت أنّ “الحكومة ستكون ملزمة بحسم موقفها نهائيّاً من الإحالة إمّا بعد إصدار القاضي غانم قراره بالادّعاء، أو بعد توسّع قاضي التحقيق العسكريّ في التحقيقات وإصدار القرار الظنّيّ، على اعتبار أنّ عون وسلام اعتبرا أنّه يجب أن تنتهي التحقيقات قبل اتّخاذ موقف في شأن الإحالة إلى المجلس العدليّ”.

نصّار: إدانة “الحزب”؟

تجزم مصادر قريبة من وزير العدل عادل نصّار أنّ “مطالعته التي عرضها أمام الوزراء في جلسة الخميس 22 تشرين الأوّل لا تتوقّف عند حدود تبيان الفعل الجرميّ للمتورّطين بقضيّة شحنة المتفجّرات واعتبار أفعالهما، وأفعال كلّ من يظهره التحقيق، تمسّ بالأمن القوميّ، ما يوجب إحالة القضيّة إلى المجلس العدلي، بل استند إلى موادّ في قانون العقوبات، إضافة إلى قرارات الحكومة في 5 آب، و2 آذار، لإبراز مسؤوليّة “الحزب” عن الضلوع في جرم نقل متفجّرات، وتعريض حياة اللبنانيّين للخطر، وواجب محاسبة قيادته مباشرة لمسؤوليّتها عن تهديد السلم الداخليّ، وذلك بغضّ النظر عن وجهة استخدام هذه المتفجّرات. لأجل ذلك، حرص وزير العدل، كما رئيس الحكومة نوّاف سلام، على الحفاظ على سرّيّة هذه المطالعة، وعدم تسليم نسخة منها إلى الوزراء، قبل أن تسلك طريقها إلى مجلس الوزراء مجدّداً وبتّها”.
حتّى الآن لم تُحدّد “القوّات” موقفها إذا كانت ستبقى مقاطِعة لجلسات مجلس الوزراء في حال رسا القرار النهائيّ على عدم إحالة الملفّ إلى المجلس العدليّ

“القوّات” تقوطب على “الكتائب“

أعطى وزير العدل، من خلال تصريحات صحافيّة، الحكومة مهلة أسبوعين لإعادة إدراج بند الإحالة إلى المجلس العدليّ، لكنّ “القوّات” استبقت هذه المهلة وأعلنت مقاطعة وزرائها لجلسة الخميس الماضي، 29 تشرين الأوّل، التي كانت مخصّصة حصراً لملفّ النفايات، بعد انسحابهم في جلسة 22 تشرين الأوّل.

في هذا السياق، برز تمايز بين “القوّات” و”الكتائب”، بوصفهما الفريقين الأكثر ضغطاً على الحكومة في هذا الملفّ، حيث بدا وزير العدل الكتائبيّ أكثر تبنّياً لتوجّه رئيسَي الجمهوريّة والحكومة إلى “التصرّف وفق ما يقتضيه مسار التحقيق المفتوح راهناً لدى القضاء العسكريّ”، مع تأكيده “عدم التهاون في هذه المسألة”.

هكذا ذهب معدّ المطالعة باتّجاه أقلّ تشدّداً حيث سيعمد إلى إثارة ملفّ الإحالة في كلّ جلسة لمجلس الوزراء من خارج جدول الأعمال، وضرورة التصويت على الإحالة، من دون رفع السقف إلى حدّ مقاطعة الجلسات.

هنا تؤكّد معلومات أنّ هذا البند لن يُدرَج مجدّداً على أيّ جلسة، وستتمّ إثارته لاحقاً وفق المقاربة التي تحدّث فيها الرئيس نوّاف سلام، حين فتح الوزير نصّار النقاش حول الإحالة في جلسة الخميس الماضية، وذلك “باعتبارها قضيّة مفتوحة وقيد البحث بانتظار نتائج التحقيق لدى القضاء العسكريّ”.

اختيار “الكتائب” التنسيق مع رئيس الجمهوريّة وإفساح المجال أمام أن يأخذ التحقيق مجراه، والتصرّف على أساسه، سلّط الضوء أكثر أكثر على التموضع “القوّاتيّ” الحادّ بوجه السلطة. وأمس، مرّرت “القوّات” رسالة مباشرة إلى رئيس الجمهوريّة أبعد من مسألة الإحالة، قائلة إنّه “يخطئ من يعتقد أنّ فتح قنوات تواصل مع “الحزب” تحت عنوان تجنيب لبنان حرباً جديدة، إذا اندلعت مواجهة أميركيّة- إيرانيّة، يُشكّل ضمانة لتفاديها”، وذلك ربطاً بالمساعي الرئاسيّة التي لا تزال قائمة لفتح باب الحوار مع “الحزب”.
تتساءل مصادر وزاريّة مؤيّدة لإبقاء الملفّ بعهدة القضاء العسكريّ: ماذا ستفعل الحكومة إذا تمّ ضبط متفجّرات جديدة كلّ فترة؟

اتّهام بالتّقاعس والتّخاذل

هكذا اختارت “القوّات” المواجهة المباشرة مع رئيسَي الجمهوريّة والحكومة. وقد استبقت الجلسة الماضية بسلسلة مواقف عالية السقف، بالتزامن مع إعلان قرار المقاطعة، إذ تحدّت الحكومة أن “تردّ على تحدّي الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم بقرار سياديّ بالإحالة، أو تبقى أسيرة الأمر الواقع فيستمرّ التقاعس والتخاذل”.

كما أصدرت “القوّات” بياناً تناولت فيه الحكومة، إذ أشارت إلى أنّ “من المُضحك المُبكي ما يُسرَّب يوميّاً عن استمرار التحقيقات، وما يرافقها من تداول أسماء يجري التدقيق فيها، بذريعة استكمال التحقيق في هذا الملفّ، فيما أقرّ مسؤولون كبار في “الحزب”، من نوّاب وقياديّين حزبيّين، علناً، بأنّ “الحزب” هو الذي كان ينقل هذه المتفجّرات”.

أضافت: “من سخرية القدر أن يُعلن الفاعل عن نفسه ويهدّد السلطة علناً، فيما تتجاهل هذه السلطة اعترافاته وتهديداته، وتستمرّ في إضاعة الوقت عبر التفتيش عن عناصر صغيرة من هنا وهناك، لا تملك قراراً ولا تتحمّل مسؤوليّة اتّخاذه، في حين تتغاضى عن أصحاب القرار الذين أعلنوا مسؤوليّتهم عن هذه المتفجّرات”.

اترك تعليق