حدود مشتعلة وداخل منقسم.. الحكومة تحت الاختبار

يضيق هامش المناورة أمام الدولة اللبنانيّة، فيما تتّسع المواجهة على جبهتَين، إسرائيل تُكرّس احتلالها جنوبًا، والقضاء يفتح اشتباكًا غير مسبوق مع سلاح حزب الله في الداخل. وبينما تتعثّر المفاوضات وتتراجع فرص التوصّل إلى ترتيبات أمنيّة بديلة من “اليونيفيل”، يتقدّم ملفّ متفجّرات ضهر البيدر بوصفه اختبارًا سياسيًّا يتجاوز حدود الملاحقة القضائيّة. فالحكومة التي تواجه عجزًا عن فرض الانسحاب الإسرائيليّ، باتت أمام امتحانٍ آخر يتعلّق بقدرتها على ترجمة قرارات حصريّة السلاح إلى إجراءات فعليّة. وفي موازاة ذلك، تتكثّف الاتّصالات الخارجيّة، وسط ترقّب لما ستؤول إليه الحسابات الأميركيّة والإسرائيليّة، واحتمالات تجدّد المواجهة مع إيران.

دعم الحكومة وتوسيع المواجهة

وفي تطوّر سياسيّ لافت، دخل المجلس الشرعيّ الإسلاميّ الأعلى على خطّ النقاش، داعيًا إلى دعم الحكومة ورئيسها نواف سلام، ومحاسبة المخلّين بالأمن بعيدًا من الاعتبارات السياسيّة والحزبيّة والطائفيّة. وتمسّك المجلس باتّفاق الطائف وحصريّة السلاح بيد المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة الشرعيّة، محذّرًا من محاولات تجاوز الدولة.

ويكتسب هذا الموقف دلالة إضافيّة في توقيته، إذ يأتي فيما تتزايد الضغوط على الحكومة لاستكمال قراراتها الأمنيّة، وفي ظلّ تصاعد المواجهة بين القضاء وحزب الله. كما أنّ تأكيد المجلس ضرورة مواجهة الاعتداءات الإسرائيليّة يُظهر محاولةً للجمع بين المطالبة بإنهاء الاحتلال والتمسّك بحصريّة السلطة العسكريّة للدولة.

في غضون ذلك، صعّد رئيس حزب القوات اللبنانيّة سمير جعجع موقفه، معتبرًا أنّ استمرار الوجود العسكريّ والأمنيّ لحزب الله يمنع استعادة الاستقرار والدعم السياسيّ والاقتصاديّ الخارجيّ. وربط جعجع معالجة هذا الملفّ بإمكان انتقال لبنان إلى مرحلة مختلفة، محذّرًا من استمرار الحرب بوتيرة منخفضة أو تجدّدها على نطاق أوسع.

وعليه، تتقاطع هذه المواقف عند عنوان حصريّة السلاح، وإن اختلفت مقاربات أصحابها، فيما تبقى العقدة الأساسيّة في آليّة التنفيذ، وقدرة الحكومة على تحويل التوافق المعلن على سلطة الدولة إلى قرارات لا تتعطّل عند أوّل اختبار سياسيّ.

ضهر البيدر: القضاء يضع السلاح أمام الدولة

لم يكن الادّعاء الذي سطّره مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة، القاضي كلود غانم، بحقّ ثلاثة عشر شخصًا في ملفّ متفجّرات ضهر البيدر، مجرّد إجراء قضائيّ إضافيّ. فالتوصيف الجرميّ الذي استند إلى موادّ عقابيّة مشدّدة، ووضع نقل المتفجّرات والانتماء إلى مجموعات مسلّحة من دون موافقة الدولة في إطار المساس بأمنها وسلطتها، فتح مواجهةً مباشرة مع أحد أكثر الملفّات حساسيّة في لبنان، وهو مشروعيّة النشاط العسكريّ لحزب الله خارج المؤسّسات الشرعيّة.

وتكمن أهمّيّة هذا التطوّر في انتقال الخلاف حول السلاح من المواقف الحكوميّة والتجاذبات السياسيّة إلى المسار القضائيّ. فشحنة المتفجّرات المضبوطة لم تعد، وفق الادّعاء، نشاطًا لوجستيًّا منفصلًا عن سلطة الدولة، بل باتت موضوع ملاحقة على أساس اتّهامات تتعلّق بأمنها الداخليّ والخارجيّ، من دون أن يشكّل ذلك حكمًا نهائيًّا بثبوتها.

ومن هنا، تتّجه الأنظار إلى مجلس الوزراء، في ظلّ إصرار وزير العدل عادل نصّار على إحالة الملفّ إلى المجلس العدليّ. إذ إنّ الادّعاء وفّر أساسًا قانونيًّا لطرح الإحالة، لكنّ اتخاذ القرار يبقى سياسيًّا في نهاية المطاف. فهل تستطيع الحكومة استكمال المسار القضائيّ من دون أن يتحوّل إلى أزمة جديدة داخلها؟

في المقابل، عكس ردّ النائب حسين الحاج حسن رفض الحزب لهذا التوصيف، إذ اعتبر أنّ المدّعى عليهم كانوا يؤدّون واجبهم في مقاومة الاحتلال، وأنّهم يستحقّون التكريم لا المحاكمة. وهو موقف يُعيد الصراع إلى جوهره، بين حزبٍ يستند إلى مشروعيّة المقاومة، ودولةٍ تسعى إلى تكريس مرجعيّتها الحصريّة في المسائل العسكريّة والأمنيّة.

الجنوب: إسرائيل تُفاوض بالوقائع الميدانيّة

أمّا جنوبًا، فلا تزال إسرائيل تتحرّك على نحوٍ يناقض أيّ حديث عن اقتراب الانسحاب. فقد شهدت القرى الحدوديّة اليوم سلسلة غارات وعمليّات قصف وتفجير وتوغّل، طاولت مناطق عدّة، بينها كفرتبنيت وحداثا وبرعشيت والمنصوري وميفدون وبيت ياحون، فيما واصلت القوّات الإسرائيليّة استحداث طرق عسكريّة لربط مواقعها في القطاعين الغربيّ والأوسط.

غير أنّ الدلالة السياسيّة لهذه التحرّكات لا تكمن في استمرار الضربات وحدها، بل في محاولة تحويل الوجود العسكريّ الإسرائيليّ إلى واقع منظّم يصعب تجاوزه في أيّ مفاوضات لاحقة. فإسرائيل، التي لم تُبدِ استعدادًا عمليًّا للانسحاب، تواصل توسيع حرّيّة حركتها الميدانيّة، فيما يفتقر لبنان إلى وسائل الضغط الكفيلة بتعديل هذا الواقع.

وهكذا، يصبح أيّ نقاش بشأن الترتيبات الأمنيّة في الجنوب ناقصًا ما لم يُحسم مصير المواقع الإسرائيليّة المستحدثة، والطرق التي تربطها، وحدود الانتشار العسكريّ اللبنانيّ.

بديل “اليونيفيل”: استعداد ألمانيّ وعقبات دوليّة

وفي موازاة ذلك، برز اليوم موقف ألمانيّ بشأن مرحلة ما بعد “اليونيفيل”. فقد أبدى نائب وزير الدفاع الألمانيّ نيلس شميد، خلال لقائه وزير الخارجيّة يوسف رجّي في المنامة، استعداد بلاده للمشاركة في قوّة قد تُشكَّل لتحلّ مكان القوّات الدوليّة.

لكنّ هذا الاستعداد لا يبدّد الغموض المحيط بمستقبل الوجود الدوليّ في الجنوب، في ظلّ التباينات بشأن طبيعة القوّة البديلة وتفويضها، والموقف الأميركيّ الرافض لقيام قوّة أمميّة جديدة. كما أنّ البحث الأوروبيّ في بعثة لدعم المؤسّسات الأمنيّة اللبنانيّة لا يوفّر، حتّى الآن، بديلًا مباشرًا من المهمّات التي تضطلع بها “اليونيفيل”.

وتكمن المعضلة في أنّ لبنان يُطالب بإيجاد ضمانات أمنيّة تمنع الفراغ بعد انسحاب القوّات الدوليّة، فيما لا تزال الشروط السياسيّة والعسكريّة لأيّ انتشار بديل غير محسومة، خصوصًا مع استمرار الاحتلال الإسرائيليّ.

رجّي من المنامة: رسائل إلى الداخل والخارج

وفي سياق الاتّصالات الخارجيّة، حمل موقف وزير الخارجيّة يوسف رجّي من المنامة رسائل سياسيّة واضحة، بعدما أكّد أنّ لبنان لن يقبل بأن تُستخدم أراضيه منصّة لتهديد الدول العربيّة، وأنّ قرارات حصر السلاح وحظر الأنشطة العسكريّة والأمنيّة لحزب الله ليست مجرّد إعلانات نوايا.

وتتجاوز أهمّيّة هذا الكلام مضمونه المباشر، إذ يأتي في لحظة تحاول فيها الحكومة إعادة بناء علاقاتها العربيّة والدوليّة، وإقناع شركائها بأنّ استعادة سلطة الدولة خيار قابل للتنفيذ، لا مجرّد تعهّد سياسيّ.

وفي هذا الإطار، التقى رجّي مساعد وزير الخارجيّة الأميركيّ دونالد بلوم، وبحث معه المسار الإصلاحيّ ودعم الجيش اللبنانيّ. كذلك، واصل رئيس الجمهوريّة جوزاف عون اتّصالاته الخليجيّة، فتواصل مع ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، واستقبل السفير الإماراتيّ، واطّلع على نتائج زيارة المدير العام للأمن العام حسن شقير إلى السعوديّة.

لكنّ هذه الحركة الدبلوماسيّة، على تعدّد اتجاهاتها، لم تُترجم بعد إلى اختراق في الملفّات الأساسيّة، فيما تتزايد الضغوط الخارجيّة المتعلّقة بحصريّة السلاح وإعادة الإعمار.

لبنان أمام استحقاق سياسيّ مفتوح

ويزداد المشهد تعقيدًا مع استمرار الحديث عن مواجهة أميركيّة إسرائيليّة محتملة مع إيران، بعد الانتخابات الإسرائيليّة وقبيل الانتخابات النصفيّة الأميركيّة. وفي هذا السياق، تحدّثت وسائل إعلام عبريّة عن تفاهم بشأن عمليّة عسكريّة مشتركة، واحتمال انخراط حزب الله في أيّ مواجهة جديدة.

وبين الاحتمالات الإقليميّة والاشتباك الداخليّ، يجد لبنان نفسه أمام مفارقة سياسيّة ثقيلة: فالدولة مطالبة بإثبات سلطتها على السلاح، بينما تعجز عن فرض سيادتها على الأراضي المحتلّة. وفي المقابل، يستمرّ حزب الله في الدفاع عن مشروعيّة نشاطه العسكريّ، في وقت تتّسع فيه الاعتراضات السياسيّة والقضائيّة عليه. أمّا إسرائيل، فتستفيد من غياب التسوية لتثبيت وقائع جديدة في الجنوب.

وبذلك، لا يعود السؤال مقتصرًا على مصير شحنة متفجّرات أو مستقبل “اليونيفيل”، بل يتعلّق بقدرة الدولة اللبنانيّة على صياغة مسار سياسيّ وأمنيّ واحد، يجمع إنهاء الاحتلال بحصريّة السلاح، بدل أن يبقى كلّ ملفّ منهما ذريعةً لتعطيل الآخر.

اترك تعليق