لم يكن البيان المشترك الصادر بعد جولة المفاوضات الرابعة عن الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل مجرد إعلان لوقف إطلاق النار أو إطار تفاوضي جديد بين بيروت وتل أبيب. فالعبارات التي وردت فيه، وتحديدًا عبارة إن “إسرائيل ولبنان لا توجد لديهما نوايا عدائية تجاه بعضهما البعض”، حملت تحولات سياسية وأمنية عميقة تضع لبنان أمام مرحلة مختلفة عنوانها استعادة الدولة قرارها والسعي لإحراز تقدم نحو اتفاق شامل للسلام.
HandsfieldHandsfield
فالبيان لم يكتف بالحديث عن وقف الأعمال العدائية، بل نصّ على إنشاء مناطق تجريبية تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية على الأرض.
هذه البنود تعني عمليًا أن المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، انتقل من مرحلة إدارة الأزمة اللبنانية إلى مرحلة دعم مشروع استعادة الدولة احتكار السلاح والسلطة. وهو ما يضع “حزب الله” أمام واقع جديد لم يواجه مثله في المرحلة السابقة.
لماذا سيحاول “الحزب” الردّ داخليًا؟
يدرك “الحزب” أن تنفيذ الاتفاق سيؤدي تدريجًا إلى تقليص نفوذه العسكري والأمني، ويفتح الباب أمام مسار سياسي قد ينتهي بنزع سلاحه وإعادة حصر القوة المسلحة بالمؤسسات الشرعية.
ولهذا السبب، فإن احتمالات المواجهة الداخلية السياسية تبدو مرتفعة، وكلام أمينه العام نعيم قاسم التهديدي خير دليل على ذلك. فقاسم أعلن بكلامه أنه المرشد الأعلى للبنانيين، إذ رسم خريطة طريق للدولة تبدأ بإيقاف مهزلة المفاوضات العبثية والمذلّة والمخزية، كما قال، متوعدًا باستمرار “المقاومة”.
واستنادًا إلى هذا الكلام، اعتبرت مصادر سياسية رفيعة أن “حزب الله” يعرف أن ميزان القوى الإقليمي والدولي لم يعد يسمح له بفرض وقائع ميدانية كما كان يفعل سابقًا، لكنه لا يزال يمتلك أدوات ضغط داخلية متعددة، من الشارع إلى المؤسسات الدستورية وصولا إلى القدرة على تعطيل الحياة السياسية.
من هنا، تتوقع المصادر أن تستعر حملة “الحزب” المنظمة على رئيسي الجمهورية والحكومة، مع السعي إلى تعبئة بيئته الشعبية تحت شعار مواجهة الضغوط الخارجية وحماية “المقاومة”.
كما قد يلجأ إلى رفع منسوب التوتر الداخلي وإعادة إنتاج مناخ الانقسام بين اللبنانيين، بهدف تعطيل تنفيذ أي خطوات عملية تؤدي إلى حصر السلاح بيد الدولة.
بمعنى آخر، الفوضى في الداخل اللبناني ستقودها إيران عبر ذراعها المطيع. فهي لا تريد وقف نار لبنانيًا معزولا يقيّد “الحزب”، ثم يتركها مكشوفة إذا عادت المواجهة إليها. فإذا جرى تحييد لبنان الآن، ثم استُهدفت إيران لاحقًا، سيكون “حزب الله” محرجًا أو مقيّدًا أو عاجزًا عن التدخل بسبب التزامات وقف النار مع إسرائيل. لذلك تسعى طهران إلى إبقاء الورقة اللبنانية معلّقة إلى حين نضوج التسوية الكبرى. فلا وقفًا نهائيًا في لبنان قبل وضوح مصير التفاهم الأميركي – الإيراني، ولا استقرار لبنانيًا كاملا قبل أن تعرف إيران موقعها في النظام الإقليمي المقبل.
حكومة سلام في مواجهة مشروع التعطيل
في المقابل، تبدو الحكومة أمام مسؤولية تاريخية. فالاتفاق منحها بكل وضوح دعمًا أميركيًا ودوليًا مباشرًا لاستعادة السيادة على الأرض وتعزيز دور الجيش اللبناني.
ومن هنا تبرز أهمية حماية حكومة الرئيس نواف سلام ومنع إسقاطها أو شلّ عملها تحت أي ذريعة. ولا تستبعد مرجعية وزارية أن “يسعى حزب الله لإحداث اهتزاز حكومي رغم معارضة الرئيس نبيه بري لهكذا خطوة”.
وتكشف هذه المرجعية أن “المطلوب حاليًا، ومع الهجمة المتوقعة، ليس فقط استمرار الحكومة، بل تأمين غطاء سياسي واسع لها يسمح لها باتخاذ القرارات الصعبة المرتبطة ببسط سلطة الدولة وتنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق”.
وأمام هذه التحديات المستجدة، أخطر ما يمكن أن ترتكبه القوى السيادية هو التعامل مع الاتفاق باعتباره إنجازًا يمكن تركه يسير من دون حماية سياسية. فالمرحلة المقبلة تستدعي تشكيل أوسع تجمع وطني وسياسي يضم كل المؤمنين بالدولة وبحصرية السلاح الشرعي.
كما أن وحدة الموقف السياسي ستمنع أي محاولة لعزل الحكومة أو تصويرها وكأنها تخوض معركة منفردة.
وإلى جانب الغطاء السياسي، تبرز الحاجة إلى أعلى درجات الجهوزية الأمنية.
فالتجارب السابقة أثبتت أن المراحل الانتقالية الحساسة غالبًا ما تترافق مع محاولات لإثارة الفوضى أو خلق وقائع ميدانية جديدة أو افتعال توترات أمنية وسياسية بهدف تغيير مسار الأحداث. وهذا ما يراهن عليه “حزب الله”.
ومن هنا، فإن مسؤولية الجيش والقوى الأمنية تصبح مضاعفة خلال الأشهر المقبلة، سواء في حماية الاستقرار الداخلي أو في منع أي محاولات لتعطيل تنفيذ الاتفاق أو فرض معادلات جديدة بالقوة.
لحظة الدولة
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يقف لبنان أمام فرصة حقيقية للانتقال من منطق الساحات والمحاور إلى منطق الدولة والمؤسسات.
لكن هذه الفرصة يتوجب التقاطها بسرعة. فالمعركة الفعلية بدأت الآن، وهي معركة سياسية داخلية بين مشروع يريد استعادة القرار الوطني، ومشروع آخر يدرك أن أي تقدم في هذا الاتجاه يعني نهاية مرحلة كاملة من هيمنته على القرار اللبناني.
لذلك، فإن نجاح الاتفاق لا يتوقف فقط على ما سيجري جنوب الليطاني، بل على القدرة على منع “حزب الله”، ومن ورائه إيران، من إبقاء لبنان ساحة تحكمها دوامة التعطيل والفوضى والصراعات المفتوحة.
















