لا دخان أبيض من روما…

الغالب على جولة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في روما، هو التأرجح بين الصعوبة والليونة في الطروحات التي تمّ تبادلها في الاجتماعين الأول والثاني، من دون أن تؤشر حتى الآن إلى احتمال تصاعد الدخان الابيض من نقاشاتها الأمنية والتقنية، بما يعجّل بإطلاق المرحلة الثانية من المناطق التجريبية وتوسيع نطاقها إلى قرى وبلدات في منطقة جنوب الليطاني. ومع الاجتماع الثالث المقرّر اليوم، يبقى تعويل لبنان قائماً بقوة على تحقيق إنجاز تجريبي ملموس، يسرّع الخطوات التنفيذية لصيغة الإطار، ويعجّل بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.

اجتماعات روما

تنتهي اليوم جولة المفاوضات المباشرة التي انعقدت في العاصمة الإيطالية على مدى ثلاثة ايام، وسط حديث عن موعد جديد لانعقاد جولة جديدة أواخر الشهر الجاري او بداية الشهر المقبل. وأما النتائج التي ستفضي اليها، فمرتبطة بما قد يتحقق في الاجتماع الثالث المقرّر اليوم، فيما الأجواء التي سادت مجريات الاجتماعين السابقين أمس وقبله، لا تؤشّر إلى بلورة إيجابيات نوعية.

الاجتماع الثالث المقرّر اليوم، يفترض أن يكون حاسماً من وجهة النظر اللبنانية، وعلى ما تؤكّد مصادر مواكبة للمفاوضات لـ«الجمهورية»، فإنّ الوفد اللبناني ما زال يراهن على دور أميركي مساعد للجهود الكبرى التي يبذلها لاختراق جدار المماطلة الإسرائيلية، والنفاذ منها إلى انتزاع انسحابات إضافية للجيش الإسرائيلي من مناطق تجريبية جديدة جنوب النهر، إلّا أنّ إسرائيل بادرت بالتزامن مع جولة المفاوضات، إلى اطلاق إشارة سلبية تجلّى في إنذار الإخلاء لبلدة المنصوري الواقعة شمال الليطاني، تلى إعلان الجيش الإسرائيلي صباحاً عن انفجار عبوة في أحد منازل بلدة مجدل زون، ما أدّى إلى مقتل جنديين وإصابة عدد آخر بجروح. واتهم «حزب الله» بانتهاك وقف إطلاق النار.

خلاصة اجتماعي أمس وأمس الاول، كما تكشف مصادر مطلعة لـ«الجمهورية»، انّهما لم يصلا إلى نتائج حاسمة، والوفد الإسرائيلي لم يقدّم ما يمكن البناء عليه لتحقيق إيجابيات حول ايّ من مواضيع النقاش، ولم يأت على ذكر المناطق التجريبية الإضافية، بل كان تركيزه على المرحلة الأولى وعدم اكتمالها بالشكل الذي يتوخاه، متجاوزاً بذلك الإجراءات المشدّدة التي يتخذها الجيش اللبناني في أماكن انتشاره في المرحلة الاولى، وجهوزية الجيش التامة من الناحية العملياتية للانتشار من المناطق التي تنسحب منها إسرائيل. ومتجاوزاً، (اي الوفد الإسرائيلي) ايضاً، محاولات العرقلة المتواصلة التي يضعها الجيش الإسرائيلي في المسار التنفيذي لصيغة الإطار. قضاياالعمل والعمال

وبحسب المصادرعينها، فإنّ الوفد اللبناني، ركّز على ثلاث مسلمات، اولاً، تثبيت وقف إطلاق النار بصورة كاملة وشاملة، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، ولاسيما عمليات النسف والجرف والإحراق للقرى والبلدات الجنوبية. وثانيا، ضرورة أن تُظهر إسرائيل ما يؤكّد التزامها الجدّي بصيغة الإطار الموقّعة مع لبنان. وثالثاً، توسيع المنطقة التجريبية إلى بلدات جنوب نهر الليطاني، ولاسيما إلى بلدتي الخيام وبنت جبيل. وإنّ الأساس في توسيع المناطق التجريبية هو قطع الطريق على أي محاولة إسرائيلية لجعل المناطق التجريبية أياً كان موقعها أو مداها، مناطق أمنية مفتوحة أمام حرّية الحركة للجيش الإسرائيلي.

ووفق المصادر، فإنّ الجانب الإسرائيلي، لم يقدّم أي التزام حيال ما يتصل بوقف الاعتداءات، او بما تمّ الاتفاق عليه في صيغة الإطار، ولاسيما لناحية توسيع نطاق المناطق التجريبية، حيث تحدثت معلومات موثوقة عن رفض إسرائيلي، ليس فقط لتوسيع نطاق المناطق التجريبية، بل لمبدأ الانسحاب من أي منطقة محتلة، سواء التي تقع شمال الليطاني او جنوب الليطاني.

وأُفيد بأنّ ثلاثة اجتماعات منفصلة لأعضاء الوفدين اللبناني والإسرائيلي عُقدت يوم امس، وتمّت فيها مناقشة امور متعلقة بالحدود، إضافة إلى آلية العمل في المناطق التجريبية الأولى، و«موضوع التحقق»، الذي يدور حوله الحديث عن رفض أميركي لأن يكون لواشنطن أي دور في هذا الأمر، وعن استعداد إيطالي لتولّي هذه المسألة، وهو أمر لا يبدو انّ احداً من الأطراف يعترض عليه، فيما ترفض إسرائيل أي دور لفرنسا في هذه المسألة، علماً انّ باريس عبّرت عن حماستها في أن يكون لها دور أساس في هذا المجال.

مسؤول أميركي

ونقل موقع اكسيوس الاميركي عن مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية قوله: «انتهت اليوم (امس)، جولة المحادثات بين إسرائيل ولبنان في روما عند الساعة 15:30 بتوقيت روما». وانتهت المحادثات قبل الموعد المقرر بسبب التطورات الأمنية على الأرض، لكنها ستُستأنف صباح غد(اليوم). اضاف: «تناولت المناقشات مجموعة متنوعة من القضايا السياسية والعسكرية، وكانت مثمرة للغاية. كما أحرزت الفرق الفنية تقدماً في بلورة التفاصيل الأساسية المتعلقة بتنفيذ اتفاق الإطار بين إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة».

إخلاء المنصوري واعتداءات

ولم تدم اجتماعات روما طويلاً أمس، حيث توقفت مع التصعيد الذي طرأ جنوباً، فيما برز تطوّر أمني، تجلّى بداية في إعلان الجيش الإسرائيلي عن انفجار عبوة بجنود إسرائيليين داخل احد منازل بلدة مجدل زون، تحدثت معلومات عن مقتل جنديين وإصابة 7 آخرين بجروح مختلفة، تمّ نقلهم إلى مستشفى رامبام في حيفا، حيث أعلن الإعلام العبري عن إصابات بالغة في صفوف الجنود بين 4 و5 منهم في عداد الموت السريري.

وأعقب ذلك، إصدار الجيش الإسرائيلي تحذيراً لسكان بلدة المنصوري بإخلائها لمسافة 1000 متر، بالتزامن مع تكثيف الاعتداءات بالقصف المدفعي وغارات الطيران الحربي على عدد من المناطق الجنوبية، ما ادّى إلى سقوط شهداء وجرحى في صفوف المواطنين، ولاسيما في بلدة تبنين، حيث استهدفت مسيّرة إسرائيلية مصلى في البلدة. ويأتي ذلك في وقت استمر فيه الجيش الإسرائيلي في عمليات الجرف والنسف للبلدات الجنوبية، والإحراق لمنازلها ومزروعاتها. ويبرز هنا التفجير الهائل الذي نفّذه الجيش الإسرائيلي بعد ظهر امس في بلدة زوطر الشرقية، التي تقع على تخوم المنطقة التجريبية الأولى في زوطر الغربية.

أصوات النشاز!

إلى ذلك، أبلغ مصدر رسمي مسؤول إلى «الجمهورية» قوله «إنّ لبنان على التزامه الكلي بصيغة الإطار، ويحترم التزاماته بما تمّ الاتفاق عليه، وقراره المضي في هذه المعركة الديبلوماسية، حتى تحقيق الهدف الذي اكّد عليه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بالانسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، واستعادة الأسرى وعودة الاهالي إلى بلداتهم في الجنوب والبدء بإعادة الإعمار».

ورداً على سؤال لفت إلى «أنّ أصوات النشاز التي تصدر من هنا وهناك، للتهجّم والافتراء والتشويه والتشكيك بصيغة الإطار، لن تؤثر على قرارنا بالمضي في هذا المسار حتى تحقيق هدف الانسحاب الإسرائيلي الكامل»، رافضاً ما سمّاها «محاولات البعض إشعال اشتباك سياسي داخلي»، معتبراً «انّها لا تعدو أكثر من محاولة لتغطية الإفلاس، وتؤشر إلى إمعان لدى هؤلاء في إبقاء لبنان كما يريدونه مرتهناً لأجندات ومصالح خارجية وإيرانية بالتحديد». وتابع مستدركاً: «هم قبل غيرهم، يدركون تماماً انّهم بإسناداتهم المتتالية وصلوا إلى طريق مسدود، وجلبوا على البلد آثاراً كارثية ونكبوا الجنوب وأهله، ومع ذلك ينكرون، ويهربون إلى الأمام بافتعال توترات سياسية واتهامات وتخوين، يعتقدون انّها ستسيّدهم على البلد من جديد. فهذا أصبح من الماضي».

واكّد أخيراً «انّ صيغة الإطار بالتأكيد ليست صيغة مثالية، بل نعتبرها أفضل الممكن من الخيارات لوقف الحرب بصورة نهائية وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الاراضي اللبنانية».

دعم غربي

في سياق متصل، اكّد ديبلوماسي اوروبي رفيع لـ«الجمهورية»، وقوف دول الاتحاد الاوروبي بصورة عامة، إلى جانب الدولة اللبنانية في المسار الذي انتهجته بالوصول إلى توقيع صيغة الإطار مع اسرائيل». وقال: «نعلّق أملاً كبيراً على صيغة الإطار في أن يحقق لبنان من خلالها هدفه بوقف التصعيد وإشاعة الأمن والاستقرار بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، وبالدرجة الأولى تأمين الانسحاب الإسرائيلي وتأكيد سيادة لبنان على كامل أراضيه».

وشدّد الديبلوماسي عينه، على أنّ «الظروف الراهنة، في ظل استمرار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، تعزز فرصة حقيقية لوقف الأعمال العدائية بشكل دائم». وقال: «نجاح هذه المفاوضات وما تمّ الاتفاق عليه مرهون بجهد مشترك بين لبنان وإسرائيل، وطبعاً برعاية مباشرة من الولايات المتحدة الأميركية»، مضيفاً: «نعتقد أنّه آن الأوان لإحلال وضع آمن واستقرار مستدام بين لبنان وإسرائيل، يوفر حماية كاملة للمدنيين والبنية التحتية المدنية في الجانبين». قضاياالعمل والعمال

وقال: «هذا الهدف يحقق مصلحة لبنانية- إسرائيلية، والمسار الطبيعي، بل الواجب اتباعه هو التزام كل الجهات المعنية بصيغة الاطار، بمندرجاتها، والوفاء بالالتزامات التي تحدّدها وتنفيذ التزاماتها».

واكّد الديبلوماسي «الاستعداد الكلي لدعم تنفيذ صيغة الاطار، ومواكبة جهود الدولة اللبنانية بصورة حثيثة في موضوع حصر السلاح في إطار الدولة، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني وسائر الأجهزة الأمنية الرسمية، لتمكينها من أداء الدور المنتظر منها سواء على هذا الصعيد، او على صعيد إعادة بناء مؤسسات الدولة والثقة بها، وترسيخ السيادة الوطنية وحماية اللبنانيين».

اترك تعليق