في وقت تتراجع فيه حظوظ المواجهة العسكرية الشاملة لصالح أدوات أكثر فاعلية، تكشف تحليلات إسرائيلية أن الرهان الحقيقي للولايات المتحدة في مواجهتها مع إيران يتمثل في ضرب الجبهة الداخلية، وخنق الشريان الاقتصادي للنظام، بدلاً من المغامرة بحرب ميدانية واسعة.
ويرى الباحث الإسرائيلي المتخصص في الشؤون الإيرانية راز زيميت، في تحليل نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أن اللجوء إلى خيارات مثل فتح ممر بحري جزئي في مضيق هرمز يهدف بالأساس إلى حماية الاقتصاد العالمي، بينما يتفرغ ترامب لتصعيد حملة “الضغط الأقصى” على الداخل الإيراني.
وينذر إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تعميق العزلة الاقتصادية لإيران بمرحلة جديدة من الضغوط على طهران، وسط إدراك متزايد لحدود الخيار العسكري، واقتناع بأن العودة إلى حرب شاملة قد تؤدي إلى تداعيات أكثر تعقيداً.
ويتزامن هذا التحول مع مساعٍ أمريكية لفتح مضيق هرمز جزئياً، إذ أفاد موقع “أكسيوس” بأن الولايات المتحدة أنشأت سراً ممراً بحرياً محميًّا في جنوب المضيق، يسمح لناقلات النفط بالمرور بمرافقة قوافل، وتحت غطاء جوي أمريكي، ونقل نحو 10 ملايين برميل من النفط ليلاً.
إبطاء وتيرة الضرر
ويرى زيميت أن هذه الخطوة، رغم عدم قدرتها على إعادة حركة الملاحة إلى مستويات ما قبل الحرب أو توفير حل لبقية السلع التي كانت تمر عبر المضيق، ومنها الغاز والأسمدة والألومنيوم، تتيح على الأقل إبطاء وتيرة الضرر الذي يلحق بالاقتصاد العالمي مقارنة بالضغوط المتزايدة على الاقتصاد الإيراني.
ويضيف: “يعكس تفضيل ترامب تجديد الحملة الاقتصادية وتصعيدها عودةً إلى سياسة “الضغط الأقصى” التي اتبعها خلال ولايته الأولى، بعد انسحابه من الاتفاق النووي في مايو/أيار 2018″.
ويقول: “أدت هذه السياسة إلى أزمة اقتصادية حادة في إيران، تجلّت في انخفاض غير مسبوق في صادرات النفط، وعجز حاد في الميزانية، وتضخم تجاوز 40%، وانكماش اقتصادي يقارب 10%، وأجبر تراجع إيرادات الدولة الحكومة على اتخاذ إجراءات جذرية، شملت رفع أسعار الوقود، وسحب عشرات المليارات من الدولارات من احتياطيات النقد الأجنبي وصندوق التنمية الوطني”.
ويرى الخبير الإسرائيلي أنه لا تزال فاعلية الخطوات التي تعتزم الإدارة اتخاذها لفرض الحملة الاقتصادية غير واضحة، إلا أنه يشير إلى وجود عدة عوامل تصب في مصلحتها ولم تكن متوافرة العام 2018.
حصار بحري
ومن بين هذه العوامل أن الحصار البحري يلحق ضرراً بالغاً بصادرات النفط الإيرانية، وقد أقرّ محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر الحماتي، بتوقف صادرات النفط بشكل شبه كامل، علاوة على التوتر بين إيران وجيرانها، ولا سيما العراق، في ظل التوترات الناجمة عن نية حكومة بغداد نزع سلاح الميليشيات الشيعية.
ويقول الخبير الإسرائيلي: “لم تُفلح الزيارات الأخيرة التي قام بها قائد فيلق القدس، إسماعيل قاآني، ورئيس مجلس الشورى، محمد باقر قاليباف، ومحافظ البنك المركزي إلى العراق في تهدئة التوترات”.
يُضاف إلى ذلك الضرر الهائل الذي لحق بالاقتصاد والصناعة الإيرانية خلال الحرب. ويقول زيميت إن صحيفة “شرق” الإصلاحية تحدثت، هذا الأسبوع، عن أزمة حادة في سوق المواد الغذائية، بعدما ارتفعت أسعار الغذاء بأكثر من 128% خلال يوليو/تموز 2026، فيما ارتفعت تكلفة سلة المواد الغذائية الأساسية إلى أكثر من ضعفي قيمتها خلال عام، مع تراجع حاد في استهلاك المواطنين للسلع الأساسية.
ويشدد زيميت على أن الضغط الاقتصادي يمثل وسيلة لتغيير سياسة إيران، ويرى البعض أنه قد يكون أداة لتغيير النظام، وليس غاية في حد ذاته، موضحاً أنه لا توجد في هذه المرحلة مؤشرات على استعداد طهران لتخفيف مواقفها، بل لا تزال تمتلك أدوات للتصعيد.
ومن بين تلك الأدوات، بحسب الخبير، مهاجمة ناقلات النفط والقوات الأمريكية في مضيق هرمز، وتخريب الموانئ والسفن التابعة لدول الجوار، إلى جانب توسيع استخدام وكلائها الإقليميين، وفي مقدمتهم ميليشيا الحوثي.
اقتصاد البقاء
ويلفت إلى أن إيران لا تزال تراهن على الجمع بين “اقتصاد البقاء”، الذي يشمل تقديم مساعدات نقدية للفئات الأكثر ضعفاً، وطباعة النقود، وتقليص الاستثمارات، إلى جانب التصعيد التدريجي، أملاً بدفع ترامب إلى التراجع أولاً.
ويخلص إلى أنه “حتى لو قررت إيران في نهاية المطاف إبداء مرونة، فليس من الواضح على الإطلاق أنها ستجد آذاناً صاغية لدى ترامب، الذي قد يرى في نجاح الولايات المتحدة في فتح مضيق هرمز، ولو جزئياً، سبيلًا لهزيمة إيران بعد فشل الجهد العسكري في تحقيق ذلك”.
ويرى زيميت أنه لا توجد ضمانات بأن تؤدي المرحلة الحالية من المواجهة إلى الحسم الذي تريده الولايات المتحدة، وبالتأكيد ليس إسرائيل، سواء عبر انهيار سياسي أو اقتصادي في إيران، أو على الأقل تحييد قدراتها النووية المتبقية.
















