بثت قناة كان العبرية تقريراً مطولاً بمدة 10 دقائق، تحت عنوان “الجليل ينتهي عند الليطاني…الإسرائيليون الراغبون بالاستيطان في لبنان”، ويمثل التقرير إضاءة أوسع على الدوافع الأيديولوجية والارتباطات العضوية الخاصة بمجموعة “عوري هتسفون” الوليدة، بصفتها مُنظّرة للاستيطان في بلد الأرز، تحت حجج أيديولوجية وأمنية توسعية، بموازاة الإقرار بوجود اتصالات مع أفراد المجموعة من قبل وزراء إسرائيليين من أمثال بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير وغيرهما.
وبدأ التقرير بقصة تلاها ناشط في مجموعة “عوري هتسفون”، ويُدعى عاموس عازاريا، لطفلته، محدثاً إياها عن جبال لبنان الجميلة، ثم تقول طفلته: “يجب أن أذهب إلى جبال لبنان الجميلة”، فيجيبها والدها عاموس: “هذا ليس لنا بعد.. لكنه سيكون لنا قريباً”!
والحال أن تقرير “كان” يُختتم أيضا كما بدأ، أي عند قصة عاموس لطفلته، لكن مع تخيّل طفلته قد استوطنت في لبنان فعلاً، متأملة جباله من وراء ستارة نافذة “منزلها”، في إشارة إلى إصرار أفراد المجموعة الاستيطانية “عوري هتسفون” على الاستيطان في بلد الأرز يوماً ما!
وهذا المسار الذي يكشفه تقرير “كان”، يؤكد أن التخطيط للاستيطان في جنوب لبنان، ليس ناتجاً عن عمل فردي أو “شغل مراهقين متمردين”، إنما يقف وراء المخطط، وزراء وأكاديميون وأيدولوجيون وباحثون، بدليل أن أحد الأعضاء قال في التقرير “إننا نختلف عن فتية التلال”، في إشارة إلى جماعة سموتريتش الذين ينفذون هجمات على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتتلمذوا في معاهد دينية بمستوطنة اريئيل.. كما رددت معدة التقرير عبارة “نختلف عن فتية التلال”، في محاولة لتجميل صورتهم.
صهر نتنياهو…منظّر أيديولوجي ومتعهّد الاستيطان
لكن اللافت هو أن معدة التقرير تحدثت هاتفياً مع حاجي بن أرتسي، شقيق زوجة رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو، (يستخدم مصطلح “صهر” سواء أكان نتنياهو متزوجاً من شقيقة حاجي أو هو متزوج شقيقة نتنياهو).. فتقول إن بن آرتسي “مشارك أيضاً” في التيار الداعي إلى الاستيطان في لبنان، لكنها لم تحدد وظيفته بشكل واضح.
لكن حديثه ووظيفته يظهران أن حاجي بن آرتسي، يمثل الغطاء الأيديولوجي بصبغة “أكاديمية” للاستيطان في جنوب لبنان. وقد أجاب بن آرتسي على سؤال عن مدى واقعية إقامة مستوطنات في لبنان، قائلاً: “بالتأكيد، ما المشكلة؟.. هكذا مكتوب في التوراة”، ثم اقترح أسماء لأول مستوطنة مفترضة قرب الليطاني، لينتهي به المطاف عند اسم مختصر هو “أرز لبنان”.
يُشار الى أن حاجي أدلى بتصريحه عبر الهاتف، كونه يفضل عدم الظهور في تقارير مصورة.
من هو بن آرتسي؟
بن آرتسي، عمره 76 عاماً، ينتمي الى عائلة مخملية وأيدولوجية واشكنازية، ويتحدر من بولندا. لكن حاجي وُلد أواخر عهد الانتداب البريطاني في فلسطين. كان والده شموئيل بن أرتسي باحثاً في التوراة، وتوفي العام 2011. وتخطط هذه العائلة، كما التيار اليميني، لاستحداث بؤرة استيطانية، تكون بمثابة حجر أساس، لعلمهم بأن تطبيقها ليس سهلاً، لكنها قصة تراكمية وتحتاج الى وقت، لذلك يوجب وضع حجر اساس لأي مشروع.
وكانت صحيفة “هآرتس” ذكرت اسمه عندما كتبت عن “مؤتمر لبنان الأول” الذي أقيم عبر تطبيق “زووم” في يونيو/حزيران 2024، بتنظيم من مئات النشطاء اليمينين، لرسم حدود جديدة لإسرائيل. حينها، زعم حاجي بن أرتسي، أنّ الحدود مع لبنان “مصطنعة تمامًا” وأن الجليل يمتد إلى الليطاني. والحال أن بن أرتسي يبرز كمنظر أيديولوجي لأتباع حركة الاستيطان “عوري هتسفون”، ويحرص على الإشارة دائماً إلى أنهم “ليسوا متطرفين.. وإنما يطالبون بما وُعدوا به”.
وبالعودة عقود إلى الوراء، نجد أن بن أرتسي خدم كضابط مدفعية وشارك في حرب 1973، وبعد انتهاء خدمته العسكرية، درس الفلسفة والفكر اليهودي في الجامعة العبرية بالقدس.
تخطيط للآتي
وبذلك، يبرز بن أرتسي كأحد متبنّي الأيديولوجية الاستيطانية العابرة لحدود إسرائيل التقليدية، بينما ترى مؤسِّسة “عوري هتسفون”، آنا سلوتسكين، بأن “الانتصار الحقيقي” في الحرب يقاس بالسيطرة على الأرض، ثُم يُختتم تقرير “كان” بالتنويه إلى أن أفراد هذه الحركة الاستيطانية، يواصلون التخطيط للخطوة التالية في لبنان، وأنهم يعتقدون أن إقامة بؤرة استيطانية فيه “مسألة وقت”.
جدل إسرائيلي
والحال أن معدة تقرير “كان” بدت في صورة المروّجة لأفكار هذه المجموعة الاستيطانية، ومعرّفة بنشطائها، قائلة إنهم ينتمون إلى تيار بدأ “يجتاح البلاد”، وهو تعبير يدل على مبالغة كبيرة في التقرير الذي لاقى انتقادات من صحافيين وسياسيين في إسرائيل، كونه دعاية صريحة للمجموعة في هذا الوقت. وعرّف التقرير العبري المجموعة الداعية للاستيطان في بلد الأرز، بالإشارة إلى أنهم مئات من الأشخاص، بينهم باحثون و”مثقفون” وأساتذة ومحاضرون، لديهم جميعاً “حلم واحد مشترك: توطين لبنان”، ويجتمعون تحت اسم “عوري هتسفون”. وتدّعي معدة التتقرير أنهم بعيدون كل البعد عن “فتيان التلال”، أي المجموعات الاستيطانية التي تنفذ اعتداءات على الفلسطينيين في الضفة الغربية. وهي تفرقة بدت موجهة، لمحاولة تلميع صورة الحركة المطالبة بإقامة مستوطنات في لبنان.
وحاولت معدة التقرير، الصحافية الاستقصائية يفعات جيليك، الدفاع عن نفسها أمام موجة الاتهامات لها بالتماهي مع دعاية “عوري هتسفون”، إذ زعمت أنها “لم تأتِ لتحكم، وإنما للتوثيق”، مضيفة أنها رأت، من قرب، ما يقوم به هؤلاء النشطاء اليمينيون، معتبرة أن الأمر كان “مثيراً للاهتمام”، وأن التوثيق لا يعني “تأييدها أو معارضتها” لهم، وإنما محاولة لفهم “ظاهرة ما”، على حد زعمها.
الاستيطان في لبنان.. كوصيّة!
وبالعودة إلى تفاصيل التقرير، فهو لم ينسَ لقاء آنا سلوتسكين، مؤسِّسة الحركة الاستيطانية الداعية إلى الاستيطان في لبنان تحت اسم “عوري هتسفون”، لتروي من جديد استلهام الفكرة من شقيقها الجندي الذي قُتل في قطاع غزة، مبررة ما تقوم به بأنها تسعى إلى تنفيذ “وصية” شقيقها الذي ارتبط بلبنان “بشكل عميق”، و”حلم” بالعيش فيه.
أما عاموس عزاريا الذي يعرّفه تقرير “كان” بـلقب “بروفيسور” فيقطن مستوطنة “أرئيل” شمالي الضفة الغربية، ويريد إنشاء مستوطنة داخل لبنان، معتبراً أن الفكرة جادة، كما كانت كذلك في الجولان والضفة الغربية.
“الجنون” قد يصبح “واقعاً”.. بعد 20 سنة!
كما حاور التقرير الاستقصائي لقناة “كان”، إيغور كريلوف، بصفته عضواً في حركة “عوري هتسفون”، مشيراً إلى أنه كان من الداعين إلى إقامة مستوطنات جديدة في شمال الجولان، والآن يوجه أنظاره شمالًا، أي إلى أرض لبنان، لدرجة أنه يعتبر أن “الجنون يبدو أقرب إلى حلم التنفيذ”، معتقداً أن ما يبدو اليوم جنونًا، أي الاستيطان في شمال الجليل أو جنوب لبنان.. قد يصبح واقعاً بعد 20 سنة، وفق ادعائه.
وهنا، يستدعي كريلوف تاريخاً مزعوماً، ليرسم حدود إسرائيل الجديدة، بقوله إن شمال الجليل ينتهي عند نهر الليطاني، وأنه لم يخترع ذلك، وإنما حدده التنظيم الصهيوني قبل 100 سنة.. معرباً عن أمله في إقامة مستوطنة على جبل بلاط جنوبي لبنان!
كما يتحدث ناشط آخر بمجموعة “عوري هتسفون”، يُدعى يديدياً، ويقيم في مستوطنة المطلة منذ نحو 12 عاماً، حيث يُظهره التقرير، وهو يؤشر إلى قرية العديسة المقابلة، خلال محاولته شرح ذرائعه للانخراط في تيار الاستيطان في لبنان.













