مع اندلاع الحرب في منطقة الخليج، سجّلت أسعار النفط في الأسواق العالميّة قفزات متتالية وسريعة، بالتوازي مع انقطاع الإمدادات وإقفال مضيق هرمز، فضلًا عن المخاوف الناتجة عن استهداف حقول النفط ومنشآت التكرير. وكان من البديهي أن يلي ذلك ارتفاع في كلفة السلع المستوردة في لبنان، نظرًا إلى دخول النفط من ضمن كلفة الإنتاج والشحن لجميع البضائع. وبالفعل، سرعان ما ظهرت النتائج في أرقام مؤشّر أسعار المستهلك، خلال شهري آذار ونيسان، مع ارتفاع معدّلات التضخّم في الغالبيّة الساحقة من أبواب الاستهلاك. وبطبيعة الحال، توازت نتائج الحرب الإقليميّة مع تبعات الحرب في لبنان، التي أسهمت بدورها في الضغط على الأسعار بفعل تراجع الإنتاج المحلّي في قطاعات متعدّدة.
مع عودة الهدوء، ولو بشكلٍ نسبي، إلى منطقة الخليج، هبطت تدريجًا أسعار النفط، ما يُفترض أن يخفّف شيئًا فشيئًا من الضغوط التضخميّة الخارجيّة. وهذا ما يطرح السؤال عن حركة أسعار المستهلك في لبنان، ومدى تراجع مؤشّر التضخّم بموازاة هبوط أسعار النفط. وعند الإجابة عن هذا السؤال، يمكن البحث أيضًا عن أبواب الاستهلاك التي ما زالت تضغط على مؤشّر التضخّم حتّى اللحظة، بمعزل عن حركة أسعار النفط العالميّة.
حركة النفط والتضخّم
بعدما انتهى شهر شباط عند سعر 70.9 دولاراً أميركياً لبرميل خام برنت، سرعان ما بدأت الارتفاعات في الأسعار خلال شهر آذار، حين تم تسجيل أعلى سعر عند مستوى 126.69 دولاراً أميركياً للبرميل، مع متوسّط شهري بلغ 112.6 دولاراً للبرميل. وخلال شهر نيسان، تابعت الأسعار المنحنى التصاعدي، لتسجّل مستويات قياسيّة تناهز 138.21 دولاراً أميركياً للبرميل، مع متوسّط شهري يبلغ 117.3 دولار للبرميل.
غير أنّ حركة الأسعار عادت لتشهد تراجعات ملحوظة ابتداءً من شهر أيّار الماضي. ففي ذلك الشهر، انخفض المتوسّط الشهري إلى مستوى 106.6 دولار أميركي للبرميل، فيما بلغ السعر عند نهاية الشهر 94.98 دولاراً أميركياً للبرميل. ثم تابعت الأسعار تراجعها منذ بداية الشهر، بمعدّل وسطي لم يتجاوز 89.4 دولاراً أميركياً للبرميل، مع انخفاضات إلى ما دون 73 دولاراً أميركياً خلال الفترة الماضية. بهذا المعنى، بات متوسّط الأسعار الشهري اليوم أدنى بنسبة 35 بالمئة، قياسًا بمستوى الذروة الذي تمّ تسجيله في شهر نيسان.
خلال فترة ارتفاع أسعار النفط، سارت أرقام مؤشّر التضخّم في لبنان باتجاه تصاعدي. إذ حتّى نهاية شهر نيسان، كان معدّل التضخّم قد بلغ نسبة تناهز 20.02 بالمئة، مقارنة بنحو 17.26 بالمئة في شهر آذار، و12.27 بالمئة فقط في شهر شباط. وبذلك، سجّل لبنان خلال ذلك الشهر أعلى نسبة تضخّم منذ أيلول 2024، أي منذ أكثر من سنة وسبعة أشهر. مع العلم أن معدّلات التضخّم كانت تشهد قبل هذه التطوّرات تراجعات متدرّجة، بفعل استقرار سعر الصرف، وانتهاء مفاعيل الاضطرابات النقديّة التي صاحبت هبوط قيمة الليرة اللبنانيّة.
مع تراجع أسعار النفط في شهر أيّار، سجّل مؤشّر التضخّم تراجعًا محدودًا، إلى مستوى 19 بالمئة (ما يعني أنّ متوسّط الأسعار كان أعلى من مثيله بهذه النسبة، مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي). وفي التفاصيل، تبيّن أنّ كلفة الخدمات السكنيّة (كهرباء ومياه وغاز وغيره) سجّلت هبوطًا بنسبة 2.55 بالمئة، بين شهري نيسان وأيّار، بينما هبطت خلال الفترة نفسها كلفة المواد الغذائيّة بنسبة 1 بالمئة. أمّا المفارقة، فكانت ارتفاع كلفة النقل بنسبة 4 بالمئة بين الشهرين.
باختصار، كان التراجع في نسبة التضخّم السنوي خجولًا للغاية خلال شهر أيّار. ولم تتوازَ حركة تراجع الأسعار (الضئيلة) في السوق، مع التراجع (الكبير) في أسعار النفط عالميًا. وبعدما ظهرت الضغوط التضخميّة سريعًا مع ارتفاع أسعار النفط، فارتفعت أسعار السلع بحدّة خلال شهري آذار ونيسان، لم تختفِ النتائج التضخميّة مع تراجع أسعار النفط لاحقًا خلال شهر أيّار.
عوامل ارتفاع الأسعار
ثمّة العديد منيالعوامل الاقتصاديّة التي تفسّر هذا الاتجاه، الذي يرفع أسعار السلع بسرعة مع ارتفاع كلفة مصادر الطاقة، من دون أن يلي ذلك تراجع معاكس لأسعار السلع عند تراجع كلفة مصادر الطاقة.
بعض العوامل يتصل بحركة أسعار السلع المستوردة من الخارج، ومنها مثلاً ظاهرة “عدم اكتمال انتقال انخفاض الكلفة”. فالنفط يدخل في بنية أسعار السلع عبر قنوات عديدة، مثل أكلاف النقل والتخزين والإنتاج. وبينما تقوم الشركات في الخارج برفع أسعارها بمجرّد ارتفاع كلفة الطاقة، لتلافي تحمّل زيادة الكلفة، تتأخّر الشركات في خفض الأسعار بانتظار هبوط التكاليف المرتبطة بأسعار النفط، أي بعبارة أخرى: بانتظار انتقال انخفاض الكلفة إليها. كما تتردّد الشركات الأجنبيّة في إعادة خفض أسعارها، للحفاظ على هوامش الربح، والتحسّب لاحتمالات استمرار التضخّم، أو لتوقّعها المزيد من الارتفاع في كلفة التمويل والفوائد.
أمّا على المستوى المحلّي، فثمّة أسباب أخرى. بعض هذه الأسباب قد يُعد مشروعًا، مثل استمرار الشركات المستوردة في بيع مخزونها، الذي تم استيراده قبل انخفاض الأسعار. بينما ترتبط بعض الأسباب بمحاولات التجّار الاستفادة من هذه التطوّرات، والحفاظ على هوامش ربح مبالغ فيها، عبر الإبقاء على الأسعار المرتفعة حتّى بعد انخفاض أسعار السلع المستوردة. وبطبيعة الحال، كلما كانت السوق أقل تنافسيّة، أو أكثر تركزًا، كما هو حال العديد من القطاعات في لبنان، ضعفت الضغوط التي تجبر الشركات على خفض أسعارها بعد انخفاض كلفة الاستيراد.
لمواجهة الارتفاع غير المشروع في الأسعار، ما زالت وزارة الاقتصاد تعتمد على بعض الأدوات المتاحة حاليًا، ومنها على سبيل المثال اعتماد لوحة تتبّع الأسعار، لتحديد حالات الارتفاع الاستثنائي وغير المبرّر. كما اعتمدت على الملاحقات عبر النيابة العامّة الماليّة، التي تملك صلاحيّات واسعة للملاحقة.
غير أنّ مكافحة هذه الظاهرة بفاعليّة أكثر ما زالت تحتاج إلى خطوات إضافيّة، وأهمها تفعيل الهيئة الوطنيّة للمنافسة، التي تملك الاختصاص الحصري بقضايا الممارسات المخلة بالمنافسة، كما تملك صلاحيّات التحقيق والتفتيش والاطلاع على السجلات وطلب المعلومات من مختلف الهيئات الإداريّة، فضلًا عن إصدار الأوامر بوقف الممارسات المخالفة. وكما هو معلوم، ما زال تفعيل الهيئة ينتظر إنجاز التعيينات فيها، وتحديدًا بالنسبة للأعضاء الذين يفترض أن يرشحهم مجلس القضاء الأعلى.
















