في موازاة استنفار لبناني ديبلوماسي بين نيويورك وواشنطن عشية اللقاء المقرّر اليوم بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، دفعاً في اتجاه تذليل العقبات التي تعترض «صيغة الإطار» تحضيراً لانعقاد الجولة الثامنة من المفاوضات المباشرة اللبنانية ـ الإسرائيلية المقرّرة الشهر المقبل، برزت مؤشرات إلى تفسخ سياسي داخلي عميق. فيما دعا الأمين العام لحزب الله الشبخ نعيم قاسم الدولة إلى الانسحاب من المفاوضات المباشرة إلى مفاوضات غير مباشرة.
سجّلت مصادر سياسية عبر «الجمهورية» في الساعات الأخيرة، ملامح تصدّعات داخلية سياسية عميقة، تزامناً مع الحراك المكثف الذي تضطلع به الحكومة اللبنانية في المحافل الدولية، في سعيها إلى تجنّب الأسوأ. ففي مواجهة الواقع الميداني الذي تحاول إسرائيل فرضه في الجنوب، يسعى لبنان الرسمي إلى تحصين موقفه الديبلوماسي بالاستنفار ديبلوماسياً بين نيويورك وواشنطن. ويبرز هنا اللقاء المرتقب اليوم بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وستركّز المحادثات اللبنانية ـ الأميركية على تذليل العقبات الأمنية والسياسية التي تعترض صيغة الإطار، وعلى تقريب وجهات النظر تمهيداً لجولة مفاوضات جديدة. ويجدّد الرئيس سلام تمسك لبنان بالخيار الديبلوماسي، باعتباره الأقل كلفة، مع تأكيد الحاجة إلى حضور دولي ضامن عبر قوة جديدة برعاية الأمم المتحدة للمراقبة والتبليغ، مع ضمان حصر القرار الأمني والسلاح بيد المؤسسات الشرعية. وتلاحظ المصادر، أنّ التوترات الداخلية بلغت مستوى غير مسبوق بين حزب الله والعديد من القوى اللبنانية، وبينها «التيار الوطني الحر»، إذ فجّر وصف رئيس «التيار» جبران باسيل لواقع الحزب بـ«المكحكح والضعيف» سجالاً عنيفاً مع مسؤول ملف الموارد في الحزب نواف الموسوي، الذي اعتبر كلام باسيل «معيباً وقليل أدب». وأعقب ذلك بيان شديد اللهجة من التيار، دعا فيه الحزب إلى «تجنّب الدخول في مشاكل إضافية مع اللبنانيين»، محذّراً من تزايد عزلته الناتجة من حروب لم يُجمع عليها اللبنانيون». وفي الموازاة، جدّد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع تأكيد «عدم استقامة العيش الكريم في لبنان بغياب حصرية السلاح». وترى المصادر، أنّ هذا التنافر الداخلي العنيف في المواقف، يؤشر إلى اتساع الشرخ الداخلي في لحظة لبنانية صعبة.
حزب الله سياسة
في غضون ذلك، أشار الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إلى «اننا مع استمرار المقاومة، وسنعمل على استمرارها ضدّ العدو ليخرج من أرضنا ولنحقق التحرير الكامل للأرض المحتلة».
وشدّد قاسم في مهرجان الذكرى السنوية الثانية لاغتيال الأمينين العامين لحزب الله السيدين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين على «انّ الاستسلام للعدو الإسرائيلي يعني انتهاء لبنان العيش المشترك، لمصلحة المستوطنات الإسرائيلية»، وأكّد «اننا لا نفرّط بشبر واحد من 10452 كيلومتراً مربعاً، وأساس البلد ودعامته ومستقبله هو جنوب لبنان»، وسأل: «أين الدولة ذات السيادة أيها السياديون؟ لماذا لا تقاوموه أنتم؟ ولماذا تتنازلون؟». واعتبر «انّ مذكرة التفاهم هي التي خفّضت من مستوى التصعيد إلى المستوى الذي نراه اليوم». وتوجّه إلى الإسرائيليين بالقول: «بقيتم سنتين تحاولون أن تنزعوا السلاح ولم تستطيعوا، فلماذا تطلبون من الجيش اللبناني؟ ما علاقتكم أنتم بالسلاح؟، الطلب من الجيش اللبناني أن يكون أداة لديكم «هذه طويلة على رقبتكم»، وشدّد على انّ الجيش اللبناني جيش وطني، والناس في لبنان يتفاهمون مع بعضهم، وليس الإسرائيلي من يفرض ما يريد». وقال: «واهم من يراهن على أن يبقى له جزء من لبنان مقابل التخلّي عن الجزء الآخر من الأرض أو الشعب»، ولفت إلى «انّ اتفاق الإطار قدّم في لحظة واحدة وفي جلسة واحدة كل ما يمكن أن يتحدث عنه لبنان أو أن يقول عنه لبنان لمصلحة العدو، والسلطة تنازلت عن كل عوامل القوة دفعة واحدة وقدّمت كل مطالب العدو دفعة واحدة».
ورأى الشيخ قاسم، «انّ السلطة في لبنان تساعد المشروع الإسرائيلي بدل أن تواجهه، وتقسم البلد. السلطة هي المسؤولة عن استمرار الوضع الأمني المضطرب نتيجة الاعتداءات، لأنّها تراهن على أميركا وإسرائيل، والسلطة جرّبت المفاوضات المباشرة بسبع جولات فماذا كانت النتيجة؟ تحت الصفر وليس صفراً»، واعتبر أنّ «من حق الرئيس التفاوض، ولكن لا يحق له مخالفة الدستور والطائف وخطاب القَسَم والبيان الوزاري والتنازل عن حق لبنان». ودعا إلى تجميد التفاوض المباشر والذهاب إلى غير المباشر، وإلى رفع الصوت، «وتأكّدوا سيكون الجميع معكم عندما تدافعون عن سيادة لبنان». وقال: «حاضرون للحوار، ولكن كيف نحاور مَن حكم على المقاومة وشعبها بأنّهم خارجون عن القانون؟». واضاف: «لو اليوم أو غداً انسحبت إسرائيل من مكان أو وضعت خطة انسحاب فهذا نتيجة المقاومة ومذكرة التفاهم وليس نتيجة التفاوض». وقال: «كان يجب على السلطة ولا زال واجباً أن تقوم بمسؤوليتها في الإيواء والتعويض وكل الواجبات التي تتعلق بالإعمار والترميم». وأعلن «أننا ملتزمون بتأمين الإيواء والترميم والإعمار بإمكاناتنا والتبرعات، ونحضّ الدولة على أن تقوم بواجبها، كما أبشركم أننا قريباً جداً سنعلن عن مساهمتنا في مشروع للإيواء وسنعلن التفاصيل المرتبطة به». العربوشعوب الشرق الأوسط
وعن حصرية السلاح، قال: «نحن حاضرون للحوار والنقاش، لكن بداية حرّروا الجنوب وليعود الأهالي ونحن نتفاهم مع بعضنا».
مواقف
وفي المواقف أمس، أكّد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في عظته خلال القداس الإلهي لمناسبة تكريس مذبح الطوباويين البطريرك إسطفان الدويهي والبطريرك الياس الحويك في كاتدرائية مار جرجس، في حضور رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، أنّ «لبنان اليوم يحتاج إلى الصبر، صبر يرافق القرار والحوار والعمل، من أجل قيام دولة قادرة على تحمّل كامل مسؤوليتها». وقال: «من هنا تبرز أهمية ما يُبحث في شأن دعم الجيش اللبناني وتسليحه وتمكين الدولة، وخصوصاً بعد الاجتماع الذي عُقد في باريس في 17 أيلول، للبحث في حاجات الجيش ومستقبل الوضع في الجنوب»، مشدّداً على أنّ «المطلوب أن يترسّخ مبدأ الدولة القادرة». وأضاف أنّ «الدولة تحتاج أيضاً إلى نَفَس طويل لبناء الوحدة الداخلية وتقريب المواقف واستعادة ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم»، مؤكّداً أنّ «الوحدة لا تُفرض بقرار ولا تُبنى بجلسة واحدة، بل تحتاج إلى وضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الخاصة». صُحف
وفي الملف الاقتصادي والمالي، شدّد الراعي على أنّ «حقوق المودعين لا تقلّ أهمية»، وقال إنّ «الإصلاح المصرفي واستعادة الحقوق لا يجوز أن يبقيا مؤجّلين»، مشيراً إلى أنّه «تمّ التشديد في المحادثات الأخيرة مع صندوق النقد على حماية المودعين». وأضاف: «انتظر الناس طويلاً، ومن حقهم أن يروا إصلاحاً يحفظ الحقوق». وختم مؤكّداً أنّ «الصبر لا يعني تأجيل الحلول، ولا التعايش مع الخطأ، ولا إدارة الأزمة»، مضيفاً: «الصبر أن نعرف الهدف، وأن نبدأ العمل من أجله، وأن لا نتراجع حتى نبلغ النتيجة».
باسيل
تحدث رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل خلال غداء أقامته هيئة قضاء عكار في التيار، عن موقفه من الجيش والعفو العام. فقال: «حاولوا إظهار الأمر وكأنّ التيار ضدّ الطائفة السنّية. كيف يمكن أن يكون التيار ضدّ الطائفة السنّية، ولدينا في عكار وحدها 1200 تياري من الطائفة السنّية؟». وشدّد على «أننا لا ندافع عن الجيش فقط، بل عن كل مظلوم، ولهذا بالنسبة إلى الإسلاميين المظلومين، كنا عمليًا أول من قدّم شيئًا لإخراجهم من ظلمهم في كانون الأول 2025. لكننا لم نقم بالدفاع عن المجرمين الذين يقتلون الجيش، ومَن يقتلون الجيش هم من كل الطوائف».
وأضاف: «قضية التيار في تكوينه أنّ الجريمة ليس لها طائفة ولا حزب ولا انتماء، والعدالة ليست لها طائفة. ماذا نفعل؟ إذا كان هناك شيعة في التيار، يجب أن نكون مع العفو عن تجار المخدرات؟ وإذا كان هناك سنّة، يجب أن نكون مع العفو عمّن قتل الجيش؟ وإذا كان هناك مسيحيون، يجب أن نكون مع العفو عن أشخاص تعاملوا ويتعاملون مع عدو للبنان؟ وقال: «عندما نتعاطى بقضية عامة لا يوجد تمييز، وعندما يحصل استهداف لمكوّن من مكوناتنا الوطنية، يتعاطف التيار معه». سياسة
وفي ملف النازحين السوريين، قال باسيل: «لأنّ تفكيرنا وطني، نتحدث عن مسألة النازحين السوريين. مشكلتنا مع الحكومة كبيرة، وهي لا تقوم بشيء لعودتهم، إلّا أنّها تكذب على الناس وتقول إنّ 89% من النازحين عادوا إلى سوريا، في وقت صدرت دراسات عن مراكز دراسات تؤكّد أنّ عدد النازحين السوريين في لبنان لا يزال فوق المليونين».
ضمّ مناطق
جنوباً، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية على عدد من البلدات والقرى في جنوب نهر الليطاني وشماله، فيما دعا وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى ضمّ مناطق من جنوب لبنان وقطاع غزة و«الذهاب إلى حرب» في الضفة الغربية المحتلة. وقال للموقع الإخباري الإسرائيلي «واي نت»: «أود أن نضمّ على الأقل المناطق الممتدة حتى الخط الأصفر في غزة (الذي يفصل بين المناطق الخاضعة لسيطرة حماس وتلك الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية)، وأن نصل في لبنان إلى نهر الليطاني، لأنّه إذا انتهت الحرب عند الخطوط نفسها التي بدأت منها، فما الذي سيردع العدو عن خوض الحرب مجدداً». وأضاف: «أعتقد أننا في حاجة إلى الذهاب إلى الحرب في الضفة الغربية، وتفكيك السلطة الفلسطينية التي تدعم الإرهاب». العربوشعوب الشرق الأوسط
«اليونيفيل»
من جهة ثانية، دعا رئيس بعثة «اليونيفيل» في لبنان وقائدها الجنرال ديوداتو ابنيارا إلى «أن نعمل بكل جدّية لتجنّب أي فراغ أمني». وشدّد على أنّ «المطلوب هو توفير أفضل الظروف للحفاظ على الاستقرار، بالتعاون مع الأمم المتحدة والسلطات اللبنانية وسائر الجهات المعنية والمجتمع الدولي».
وأشار ابنيارا خلال مشاركته في «معرض المونة للمرأة الجنوبية» الذي نظّمته بلدية صور، إلى أنّ «أمامنا ثلاثة أشهر حتى نهاية السنة لانتهاء مهمّة «اليونيفيل»، لكنني أؤمن بأنّ المستقبل يبدأ اليوم. لذلك لا يمكننا الانتظار حتى يأتي المستقبل؛ علينا أن نعمل من الآن، يومًا بعد يوم، من أجل تهيئة الظروف التي نريدها للمرحلة المقبلة». وقال: «علينا أن نتحرك اليوم، وأن نقوم بواجباتنا اليوم، ثم نترك للمستقبل أن يتشكّل من خلال ما نفعله الآن، هذه هي رؤيتي، وسأبقى هنا ما دام وجودي مطلوبًا وضروريًا من أجل السلام والاستقرار في خدمة الناس. بالنسبة لي، وجودي هنا إلى جانب الناس هو شرف كبير. نحن هنا لخدمتهم ودعمهم، لأنّ «اليونيفيل» موجودة من أجل الناس».
أضاف: «لطالما كان حلمنا أن نواصل العمل والمضي قدمًا، وأن نستمر في بناء مستقبل أفضل، علينا أن نتابع المسيرة، وأن نواصل العمل معًا، لأنّ ما نطمح إليه لا يمكن أن يتحقق إلّا بالتعاون والإصرار والاستمرار». واشار إلى «اننا جميعًا معنيون بهذا الأمر، وعلينا أن نبقى متّحدين، وأن نواصل جهودنا من أجل تحقيق رؤيتنا وأهدافنا، نحن، بطريقة أخرى، نريد أن نُظهر الوضع، وأن نذكّر بأننا نستطيع جميعًا أن نحقق السلام والأمن معًا».
















